على يسارك باتجاه الشارع المسمى علال بن عبد الله بمدينة تازة ، الحاضرة المغربية المتوسطة  الواقعة بين مقدمة الريف والأطلس المتوسط شمال شرق البلاد ، تطالعك لوحة مستطيلة  رخامية بيضاء ومتقادمة أيضا ، اختفت حروفها الصمغية وبقيت آثارها بالكاد ، تحمل تعريفا مختصرا بواحد من أبرز شهداء الوطن ، ألا وهو علال بن عبد الله بن البشير الزروالي الجرسيفي ( نسبة إلى مدينة جريسف التي كانت تابعة لإقليم تازة ثم استقلت بإقليمها الخاص سنة 2009 اعتبارا من امسون وحتى الضفة اليسرى من نهر ملوية ) اللوحة يكاد لا يلتفت إليها أحد بسبب قدمها أولا واختفاء معالمها ثانيا وثالثا لأنها أصبحت ببساطة  جزءا من السور المتقادم لمقر البريد المركزي الذي يعود إلى فترة الحماية ….في الحقيقة ليس هذا هو المشهدالرمزي والإيحالي  الوحيد الذي يحيل على مصائر رجال الوطن ومن وهبوا أغلى ما لديهم من أجل أن يعيش الوطن حرا مستقلا ، فقد طالعنا أحد مواقع مدينة جرسيف بنصب تذكاري بسيط جدا للشهيد علال وقدكسر و رمي به ( للمجهول ) بعيدا وسط خلاء ملتبس أكاد أجزم أنه مزبلة أو فضاء لروث الحيوان …..

حاصل القول …..حينما لا تحضر الوطنية إلا في مقابلات كرة القدم ( وأين هي الآن ؟ ) وحينما لا يجد نجل الشهيد علال مكانا لائقا ا يِأويه بعاصمة الانبعاث أكادير فماذا ننتظرغيرتلعثم التلاميذ في إسم علال بن عبد الله وأخطائهم في تحية العلم صباح كل إثنين ، على حين تنتصر وبالضربة القاضية أسماء ممثلين وممثلات  سينمائيين ومغنين ومغنيات   وكرويين و ” تنيسمانات  ” لا يمثلون قيمة تذكر على المستوى الرمزي و الإنساني الرفيع  ، لا عجب إذن أمام   تلاشي النصب والرموز والعلامات المضيئة كيفما كان شكلها ولونها وخطها وجمالها….أمام رموز الكرة والغناء والتمثيل ….ولله في خلقه شؤون ..

مع ذلك…. مع كل ذلك فهي ما زالت تدور…. علال الشهيد هذا كان لا يوازيه أحد في وزنه الشعبي والرمزي  والموازاة هنا رمزية وإسمية ليس إلا ، مثلا قد لا نستهين بسميه المواطن المغربي المعاصر لنا هنا والآن : علال الحرايفي” اللي على بالكم  ”  ومن العجب أن ثلاثة  علالات في المغرب وشمت  الكثير في الذاكرة الوطنية والشعبية ،هم علال بن عبد الله علال الفاسي و آخرهم ولن يكون هو الأخير تعرفونه طبعا : علال القادوس الذي تخلص من ملابسه ذات يوم ماطر بارد وخلص البالوعة اللعينة المنسدة مما علق بها منقذا حي يعقوب المنصور( الضارب في عمق تربة الرباط ورجالها  ) من فيضان كاسح  دون جزاء ولا شكور سوى ما كان من جزاء الشعب وبعض أضواء الإعلام الباحث عن الإثارة والترويج بأي ثمن ….رغم أن الخطوة العلالية كانت رمزية أكثر من أي شيء آخر، إذ العمل في الواقع هو  من صميم شغل الدولة والوقاية المدنية ….وما العمل إن غاب الجميع ….؟؟؟ فقد أنقذت الدولة ما أنقذت والحق يقال لكن الواقع كان أكبروأمر في أقاليم الجنوب وفيضاناتها الجارفة ….

علالات آخرون حفل بهم القاموس الشعبي والفني أيضا …هناك سيدي علال البحراوي وعلال الكباردي كما كنا نسميه كفنان ينمق الكلمة والنغم عبر الأسواق والحلاقي فيرقص حوله الشعب بدرابله متناسيا أزماته اليومية وإكراهات زمنه المقيت ….ولا ننس التهجين الساخر لكل من الفنانين الشعبيين مصطفى الداسوكين ومصطفى الزعري حول تحوير إسم الممثل الفرنسي الشهير ألان دولون ببساطة إلى  “علال الدلو” كما حوراإسم الممثل المصري  صلاح ذو الفقار إلى صلاح ” ذو الفقرا ” وجوليانو جيما إلى جوليانو جمي ( الممثل الإيطالي ) ….ويوجد في البحر ما لايوجد في البحرين ……

…..استشهد بطلنا في ذاك الزمان أي علالنا ، علال بن عبد الله الصباغ البسيط بحي العكاري تحت رصاص المستعمر بعيد هجومه الجريء بسيارته المتقادمة على دمية الاستعمار محمد بن عرفة  زوال يوم 11 شتنبر 1953….فكان الاستشهاد الذي رفع المعنويات وهز المغاربة من جديد بعد تضحية الملك الشرعي محمد الخامس بعرشه في سبيل المطالب الوطنية يوم 20 غشت 1953…. مع ذلك ، ينسى الكثيرون أو يتناسوا كيف  أن وزيرا في الحكومة الفرنسية آنذاك يسمى فرانسوا ميتران أعطى النموذج باستقالته يوم 02 شتنبر  من الوزارة احتجاجا على نفي السلطان الوطني محمد الخامس….

أصيب الناس بالذهول يوم 20 غشت وكان  عيد أضحى …( أمسك كثير من المغاربة عن ذبح الأضحية حزنا ووفاء ) نفي الملك وعائلته إلى مدغشقر لأنه رفض التوقيع  على قوانين ليست في صالح المغرب والمغاربة  ( وكان قد بدأ الإضراب عن التوقيعات على الظهار منذ 1951) والذي قد  لا يعرفه الكثير من المغاربة هو أن علال بن عبد الله الزروالي ولد بمدينة جرسيف سنة 1916 وسط قبيلة هوارة اولاد رحو وهناك أخذ مبادئ الوطنية محترفا الصباغة بمحل بسيط قبالة مقر البلدية الحالي ( يسمى مقهى المواعيد ) ولما انتشر  إشعاعه الوطني وسط الساكنة اضطر القايد رمضان ( المنصب من طرف سلطات الحماية على المنطقة ) لنقله وعائلته إلى مدينة تازة ، حيث واصل نشاطه  الوطني وسط الفئات الشعبية بالمدينة  حتى الثلاثينيات من القرن الماضي غير عابئ بمضايقات السلطات أو مراقبة المتعاونين معها ، وكانت الأجواء مواتية بتازة رغم القمع والحصار الشامل ، تبعا لتواصل وطنيي تازة مع إخوانهم في معقل الحركة الوطنية بفاس والدور الكبير الذي كان قد اضطلع به المناضل الوطني الفذ ابراهيم الوزاني التازي  ومعه آخرون  فاقتنى علال  جهاز راديو ( من الفئة الكبيرة وكانت تلك الأجهزة معدودة وقتذاك ) لتتبع أخبار البلاد ، ولما كان الصبيب يتضاءل اعتاد أن  يشد  بالأسنان على “الأنتين “حتى تعود الموجة الصافية للمحطة الإذاعية ، وفي محاولة للحد من نشاطه وقع نفيه أخيرا إلى فاس ثم الرباط حتى يكون هناك تحت مراقبة وسمع السلطات عن قرب ، ولم ينتبه دهاقنة الحماية إلى أنهم بفعلهم هذاقد عجلوا سير الأحداث بما سيضع حدا لعهد الحجر والحماية ، استقر علال بن عبد الله مع زوجته خديجة البلغمية وابنه ذي الثلاثة عشر ربيعا بحي العكاري ….تميز الرجل الأربعيني بدماثة الأخلاق وحسن المعشر والوطنية الصادقة مع كل من صاحبوه أو عرفوه بالرباط وبحي العكاري وممن جاورهم واختبر فيه ذلك عن قرب الشهيد المهدي بن بركة والزعيم علال الفاسي الذي أكبر فيه إقدامه ووفاءه وصدقه  سواء خلال مقامه بالرباط أو في خطبه التي ألقاها بعد ذلك ….

صدم علال بن عبد الله في كرامته وعزته كباقي المغاربة لما امتدت يد الاستعمارإلى المؤتمن على السيادة الوطنية المغفور له محمد الخامس ونفته وأسرته عن عرشه si le roi ne change pas , il faut changer le roi  تلك كانت عبارة السر بين المتآمرين بمراكش : الجنرال غيوم وزعيم الطرق عبد الحي الكتاني وممثل الإقطاع الحاج التهامي الكلاوي المزواري ووقع على عريضة خلع محمد الخامس الذي لم يعد بالنسبة لهؤلاء أميرا للمؤمنين بل زعيما لحزب الاستقلال ”  الشيوعي الملحد  “( كذا ) ما يناهز 270 من القياد والباشوات ( باستثناء باشا صفرو مبارك البكاي الهبيل والقائد الحسن اليوسي  ) وفي مواجهة هؤلاء انتفض علماء الأمة تحت قيادة شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي فوقعوا بمجموعهم ( 300 عالما وفقيها ) على عريضة تخرج الموقعين على النفي من إجماع الأمة وتؤكد شرعبة السلطان محمد بن يوسف …. كان علال بن عبد الله يغلي بكل كيانه واعتبربأن توجه السلطان الدمية بن عرفة إلى أول صلاة جمعة بعد تنصيبه  بمثابة صك نهائي على المؤامرة وبصم فعلي على مخططات الحماية البغيضة …ونهاية واقعية للمغرب والمغاربة ….

فشل علال في الحصول على مسدس ، سواء ضمن الخلية الوطنية التي كان منتظما فيها أو خارجها ، لكنه  تمكن من سكين ذبح صقله وهيأ غشاءه صديقه الوفي وجاره السي العربي العيوني ، أوصى حماته ( أم زوجته ) بالسفر إلى فاس دون أن تفهم المسكينة ما هو مقدم عليه ، فبكت أمامه بدموع حرى غير مستوعبة مايجري لصهرها العزيز، ولما هم بوداع زوجته الحامل استشاطت خديجة غضبا من سلوك هذا الزوج الغريب الأطوار ، وحين ألحت عليه كاشفها بالسرمستقسما إياها ألا تفوه به لأحد كيفما كان …وهذا ما حصل بالضبط …لما ألقي القبض على زوجته وابن علال المسمى عبد الله بعد العملية البطولية  ، سلط عليهما البوليس الفرنسي أقسى أنواع العذاب والتنكيل ( كادحمل  خديجة أن يجهض بسبب التعذيب لكن الله لطف بهما ) دون أن يتفوها بكلمة واحدة عن الخلية الوطنية ولا عن مسيري الحركة بالرباط أو سائر البلاد ….

وعود على بدء ، لجأ علال بن عبد الله من أجل الدخول إلى التواركة حيث القصر الملكي بالرباط إلى  حيلة بارعة تمثلت في دور تمثيلي لشاب وفتاة مقدمين على الزواج ، وكانت العادة أن الخطاب يتيمنون بالمشور قبل طوافهم المعتاد بالرباط ، هكذا وبمساعدة العيوني وزوجته تمكن علال من الدخول بسيارته إلى المشور السعيد مترصدا خروج السلطان الدمية بن عرفة إلى أول صلاة جمعة ستتم الدعوة له خلالها على منبر مسجد أهل فاس كأمير جديد للمؤمنين وسلطان على المغاربة ، أوقف السيارة إلى جانب المسجد من جديد بعد أن أعاد الخطيبين  المزيفين ، وبمجرد ما توسطت الشمس السماء خرج موكب ابن عرفة فحرك علال مفاتيح السيارة الهرمة واقتحم الجمع من خلفه بالسرعة القصوى التي أرهبت كل الحاضرين فأسلم الكثيرون ساقيهم للريح ، لينكشف مشهد الموكب مباشرة ، فترك السيارة تقتحمه وأخرج السكين في محاولة للهجوم على ابن عرفة ، لكن أحد الضباط الاستعماريين ( روبير كينغ وهو الذي يظهر في الصورة الشهيرة التي يعرفها كل المغاربة  ولعلم الأحبة فقد انتقم المغاربة من هذا الضابط الاستعماري فأرداه أحد الفدائيين البررة قتيلا سنة 1959 ولم يكن الفدائي سوى أحمد كوليز الملقب بشيخ العرب والذي قتل سنة 1964 أي بعد الاستقلال ) تلقفه الضابط  فوق السيارة المكشوفة ووجه له لكمة مباشرة في حين أصابه البطل علال بن عبد الله  بجروح في كتفه وأصيبت فرس السلطان المزيف بصدمة السيارة  فتمددت على الأرض وعند محاولة رفعها أصابت بن عرفة في رجله بينما انهال البوليس والمخبرون بالرصاص على علال فتضرج في دمائه الزكية مصابا بثمان رصاصات خمس في الظهر وثلاث على الجبين …فكان أول فدائي مغربي جاد بروحه بعد نفي الملك الشرعي في سبيل استقلال وحرية المغرب  ، إذ شكلت عمليته بداية انتفاضة كل الشعب المغربي ضد الحماية من المنظمات الفدائية وأنشطتها في المدن إلى اندلاع عمليات جيش التحرير بالريف والبوادي شمال وجنوب تازة وتافوغالت ثم تاونات فالصحراء المغربية ….

لم يترك الشهيد لزوجته خديجة وابنه عبد الله سوى ما مجموعه 1000 فرنكا ، وكان يقول لها في ساعاته الأخيرة إن الشعب المغربي المناضل سيتكفل بها وبأبنائها ….، تمر أيام السجن والقمع وهذه إحدى المناضلات الوطنيات بسلا تشغلها سرا في معمل للجلد كانت تملكه مع زوجها….وبعد عودة المغفور له محمد الخامس إلى عرشه بعشرين يوما ذكر الأستاذ عبد السلام البقالي أن  خديجة  دعيت إلى القصر الملكي فاستقبلها عاهل البلاد ، والحصيلة ، معاش مدى الحياة وإقامة في المشور مع إطلاق إسم علال بن عبد الله على الشوارع والميادين….

قصة جثة الشهيد علال لوحدها تتطلب صفحات من التاريخ والتأريخ معا ، الجثمان الطاهر  نقله أحد الخونة مضرجا بدمائه إلى إحدى كوميساريات الرباط ثم قر قرارالسلطات  بأن تدفن الجثة  سرا بمنطقة الرماني / أحواز الرباط تفاديا لكل اضطراب أو مظاهرات وطنية ، ولم يتم الكشف عن مكان دفنها إلا سنة 1957 ، شكل المغفور له محمد الخامس على الفور  لجنة من السياسيين والخبراء والأطباء توجهت إلى عين المكان وبينها الزعيم علال الفاسي والمحجوبي أحرضان والقايد بن عمرو قائد منطقة الرماني ، فتحققت من الجثة و تعرفته زوجته خديجة عن طريق لباسه الذي دفن به وخاتم الزوجية ، ثم مكان الرصاص الاستعماري ، علال بن عبد الله رحمه الله نقل إلى العاصمة الرباط وسط تهليلات وتكبيرات جموع المواطنين المغاربة التي احتشدت  في الرماني بمجرد سماع نبإ العثور على جثمان الشهيد علال ، وانطلاقا من باب ازعير احتشدت الجماهير الغفيرة بالتهليل والتكبيروالهتاف  وحتى مسجد أهل فاس حيث صلت عليه جموع المؤمنين  وهو نفس فضاء العملية البطولية ومن ثمة نحو مقبرة الشهداء بالرباط حيث ووري الجثمان بما يليق من احترام وتقدير وعلى أكتاف رجال المغرب / علال الفاسي – الفقيه البصري – مولاي الحسن ولي العهد عبد الفتاح سباطة رجال الحركة الوطنية رجال المقاومة وجيش التحرير …..وجموع الشعب المغربي ….

 

عن fes-today