لا يكاد مهرجان يسدل ستاره، حتى تسمع صهيل الخيل وطلقات البارود تدوي ملعلعة في سماء مدينة جرسيف معلنة عن انطلاق مهرجان جديد، وكأن الساهرين على الشان المحلي يعلنون بدلك على بدء الاحتفالات و”النشاط” بعد ان تمكنوا من استكمال  إرساء لبنات التنمية المحلية، من بنايات تحتية وخدمات في المستوى والقضاء على كل مظاهر البؤس والفقر التي تضرب ما يقارب 50% من الساكنة المحلية.

في الدول المتقدمة تكون المهرجانات او الاحتفالات مرتبطة باحياء حدث تاريخي ما، تاريخ حقيقي مرتبط بوقائع حقيقية وليست مزيفة كما هو الحال عندنا، او يكون بهدف التسويق الترابي كما اصبح يصطلح عليه  في الأدبيات الانجلوسكسونية دات المقاربة الشمولية في مجال التنمية، تهدف بالخصوص الى الرفع من انتاجية المجال الترابي بهدف جلب الاستثمارات الصناعية والسياحية والتجارية وبالتالي الرفع من مستوى التنمية المحلية. لكن في اجمل بلد في العالم، المهرجانات تاخد أبعادا ودلالات اخرى، ترتبط في غالبيتها بحملات انتخابية سابقة لاوانها عبر تسويق شخص وصورة المنتخب، ومدينتا  “الجميلة” ايضا لا تشد على هده القاعدة، لكنها تتميز بخاصية فريدة، تجعل من المهرجان وسيلة للتباهي والصراع السياسي/ القبلي، تجمع منظميه علاقة حميمية مع الفساد واهدار المال العام، حتى اصبح تدبير الشان المحلي وسيلة للاغتناء وقضاء المصالح الخاصة بدل خدمة المواطن. مهرجانات تشرف عليها جمعيات تسمى زورا وبهتانا تنموية، جمعيات اصبحت تقتات، للاسف، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتخصص لها اغلفة مالية دسمة من ميزانية الجماعة “للمساهمة في التنمية المحلية”، تنمية تكون حصيلتها روث الجياد التي تترك في عين المكان.

يقال والله اعلم، ان المهرجان الاخير المنظم من طرف جماعة هوارة اولاد رحو، كلف فقط  ما يقارب 70 مليون سنتيم، ومهرجان الزيتون والفروسية “الاضافة من عندنا” كلف حوالي 120 مليون سنتيم، وادا سلمنا ان المهرجانات التي أصبحت تتناسل كالفطر  في هده المدينة النمودجية  تكلف حوالي 200 مليون سنتيم، الم يكن من المفيد رصد هدا المبلغ، الهام في نظرنا المتواضع عند البعض ، في انجاز المشاريع التنموية ذات الأولوية او المدرة للدخل، بحيث ان هدا المبلغ كان كافيا لبناء 4 مستوصقات مجهزة، ادا اعتمدنا كمرجع الغلاف المالي المرصود لبناء مستوصف بني مقبل (50 مليون سنتيم)، مؤسستين لدار الطالب او 3 وحدات مدرسية.

غير بعيد عن المكان الدي ينظم فيه المهرجانين، ترقد يسرى في مقتبل عمرها، تصارع الموت في صمت، تذبل يوما بعد يوم، نموذج حي الى جانب نماذج اخرى لا تعد عن واقع الصحة في هده المدينة المهمشة، قد تكون تخالجها اسئلة ببراءة طفولية: ترى اين المسؤولين والمنتخبين من الوضع الصحي الكارثي؟ وتجيب ببراءة طفولية كدلك  قريبة الى المرارة: ربما اهتمامهم منصب على الاحتفالات  فالمهرجانات أولى.

غير بعيد على تاريخ تنظيم المهرجان المقبل، يطل الموسم الدراسي، وتبدأ معاناة ومتاعب الاسر المعوزة، في التفكير في الادوات المدرسية وما تكلفه من اعباء إضافية، وتبدأ معها ايضا هموم جحافل من التلاميذ سيكدسون في أقسام مكتظة تقارب 50 تلميدا بالقسم، بمدارس وثانويات تفتقر الى ابسط شروط الصحة فما بالك بالتحصيل الدراسي، أصبحت مرتعا لكل شئ الا التعليم.

الصحة بخير والتعليم بخير والتنمية بخير ومدينة غناء بمساحاتها الخضراء، فمزيدا من المهرجانات