***كتبت هذه المقالة –واقفا- على متن قطار مريع

إنها قطارات الشعب، ولن أقول “قطارات الخليع” كما اعتدنا قراءة ذلك، فما يربط ذلك الشخص بقطاراتنا، شيء واحد وهو الأرباح الخيالية التي تذره عليه وعلى مكتب السكك جيوبنا الرثة والمثقوبة. أما هو فقطاراته التي يستغلها فقط للترف هي من الدرجة الممتازة حيث يلجها وزمرته بكل هدوء واطمئنان، وله أن يأخذ فيها جناحا إن أراد، وجناحه ذلك محمي ضد الازدحام بغلاء تسعرته، والتي لا تمنح إلا لذوي الحظوة من الوزراء والبرلمانيين والكثير من المحتالين الأنيقين.

أما قطاراتنا الشعبية المتأخرة، المزدحمة والفوضوية، الجامحة والقاتلة، فهي الاختزال والمثال المبسط لأسلوب معاملة هذا الشعب.

إنه عدم الاكثرات بمصالح المواطنين، إنها المخزنية في التعامل والمنطق الربحي الجشع في المعاملة.

وأنا أتصبب عرقا في فصل شتاء من شدة الزحام، أستمر في كتابة هذه الأسطر على قدمين صامدتين منذ أكثر من ساعتين، منها أكثر من ساعة ونصف تأخر للقطار “السريع” الذي ظننت مخطأ أنه سيوصلني مبكرا إلى المنزل.

وباستثناء عبارات التهذب المزيفة والاعتذارات المعتادة والمملة، من صوت نسوي يحد ويخفت عبر موجات المكبر، فإن اللامبالاة هي التي تطبع تعامل محطات السكك الحديدية، فبمجرد تسليمك تذكرة مرتفعة الثمن أصلا، تمر دقائق الانتظار التي قد تستحيل ساعات.. فتمتلئ الأرصفة ثم المقصورات عن آخرها ويصطف المسافرون “المساجين” في ممرات جد ضيقة، حتى ترى النساء والأطفال الصغار المساكين يفترشون الأرضية، ويخفون مشاعر الأسى والتذمر بالخوض في بعض الأحاديث الجانبية، أو السخرية من تلك الظروف، حيث “كثرة الهم تضحك”.

لازالت صامدا، أكتب في مذكرتي واقفا أرصد مختلف تلك المشاهد المؤسفة، التي يتعامل فيها المغربي بكثير من الصبر السلبي وكثير من الصمت، تخترقه أحيانا أصوات ناشزة غاضبة سرعان ما تخفت،يعوضه المغاربة ببعض التصرفات اللاحضارية، فتراهم يتسابقون إلى الصعود على متن هذا القطار السريع المريع، يدوس بعضهم بعضا فلا يأبه للنساء ولا للأطفال و لا للمثقلين بالأمتعة.

لكن بمجرد أن يضع هذا المشهد أوزاره، يبرز ما تبقى من شيم المغاربة المتمثلة في الإيثار وتوقير الكبير ورحمة الضعفاء من النساء والأطفال، فترى بعض الشباب المحتفظين  بعد  بشيء من العنفوان يقومون بكل تضحية تاركين المكان لامرأة مسنة أو شيخ هرم، ومن الشباب من يتحمل ذلك من أجل فتاة رشيقة بها مسحة من جمال لا يعرف هدفه من ذلك؟. لكن ما أثارني في المشهد هو مبادرة شيخ كبير بعمامته الأصيلة ونظاراته المتفحصة ولحيته البيضاء الوقورة، هذا الرجل المتدثر بثلاث جلاليب تحسبا لكل طارئ من تبدل أحوال الطقس المفاجئ، لم يتردد بعدما خارت عزيمة الشباب إلى جانبه، وهاهو يدعو امرأة قد أعياها التسمر وقوفا في القطار إلى الجلوس كاستراحة محارب.

كان ذلك إذن مشهدا عابرا وبسيطا، وغيضا من فيض وقليل من كثير من ذلك المسلسل الطويل بما يجاوز طول كل قطارات المملكة، ذلك المسلسل من المعاناة  والمصابرة مع قطارات الشعب والتي أكرر أنها ليست باسم أحد.

يبدو أنني وصلت أخيرا لأرتاح من هذا القطار المتعب، فمتى يصل قطار نهضتنا إلى محطة الأمان؟ ومتى سيستحق هذا الشعب قطارات تليق بعظمته، كما يحلو لسياسينا استعمال ذلك الوصف عنه عندما يتعلق الأمر بقضايانا الكبرى، حيث يحلو لهم التغزل بصفات هذا الشعب وبعظمته؟.