لكي يضمن حزب سياسي الفوز على خصومه في الانتخابات «خصو يفيق بكري».
ووصفة النجاح ليست سحرية بل إنها معروفة و«مجربة» كما يقول الطباخون المحترفون.

هناك التنظيم وانضباط القواعد، وهناك الأدوات والوسائل. في هذه الحلقة الأولى من السلسلة الثلاثية التي نخصصها لهذا الموضوع، سنتحدث أولا عن التنظيم واسترايتيجة إضعاف الخصم، وفي الحلقة الثانية سنتحدث عن صندوق انتخابي كبير اسمه التعاون الوطني يضع حزب العدالة والتنمية يده عليه اليوم ويتحكم في كل مفاصله، وثالثا سنتحدث عن وزارة مهمة جدا يكاد الجميع يهملها هي وزارة الأسرة والتضامن، يستعملها الحزب لضخ الموارد المالية واللوجستيكية لصالح الجمعيات الدائرة في فلك الحزب.

عندما خاطب عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، المعارضة في البرلمان مستهزئا قائلا إنه مع معارضة كهذه سينام وسيفوز بالانتخابات، فإنه لم يكن يمزح، بل إن كلامه جد في جد.
إذ لم تعش المعارضة حالة من التشرذم والضعف في التاريخ السياسي المغربي مثلما تعيشها اليوم. ولذلك فقوة حزب العدالة والتنمية تكمن في ضعف المعارضة وليس في شيء آخر. فالحزب الذي يقود الحكومة اجتمعت لديه كل أسباب الفشل والسخط الشعبي، إلى درجة أن وزير التجهيز ورئيس المجلس البلدي للقنيطرة رجمه الناس بالحجارة في معقله الانتخابي، بينما عمدة سابق لمكناس يتابع هو وعائلته بتهم ثقيلة لها علاقة بجرائم المال العام، لكن الحزب مع ذلك يبدو في صحة جيدة ويعطي مؤشرات قوية على قدرته على اكتساح الانتخابات المقبلة.

هناك اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، برلمان الشعب الحقيقي، جملة ساخرة تنتشر مثل النار في الهشيم تقول إن عدد المسجلين في لوائح قرعة الهجرة إلى أمريكا أكثر من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية.

وهذا للأسف صحيح، فعدد الذين تسجلوا في اللوائح الانتخابية على مدار شهر كامل لم يتعد 300 ألف مواطن من أصل 13 مليونا، أي حوالي 9.3 في المائة فقط.
وأكبر المتفائلين يتوقعون أن تصل نسبة التسجيل إلى سقف 900 ألف، وهو رقم ضئيل جداً إذا قورن بحوالي 13 مليونا من المغاربة الذين يتعين إدخالهم إلى اللوائح الانتخابية الجديدة.

وفي مختلف المدن والمناطق يلاحظ المواطنون أن الحزب الوحيد الذي أطلق حملة لتشجيع الناخبين على تسجيل أنفسهم في اللوائح الانتخابية، هو حزب العدالة والتنمية، وهي الحملة التي يمكن أن يستغلها الحزب الحاكم للإنصات إلى المواطنين عن قرب والدعاية لمنجزاته التي أعطى بشأنها تعليمات لوزرائه لكي يخرجوا في وسائل الإعلام غير الموالية لهم ويتحدثوا عنها للرأي العام.
والواقع أن المستفيد الأكبر من عزوف المواطنين عن التسجيل في اللوائح، وبالتالي مقاطعة العملية الانتخابية برمتها، هو حزب العدالة والتنمية تحديدا.

فالحزب الحاكم غير محتاج لكي يسجل المواطنون أنفسهم في اللوائح الانتخابية، لأن الحزب يتوفر على جيش جاهز للتصويت لصالح مرشحيه، وهم أعضاء الحزب ومناضلوه وعائلاتهم والمتعاطفون مع الحزب.
وبأصوات هذا الاحتياطي الهائل من الأصوات يستطيع الحزب أن يربح الانتخابات، أولا لأن عددهم يصل حوالي 900 ألف صوت، وثانيا لأنهم منضبطون وملتزمون مع الحزب وغير قابلين للمساومة، وبالتالي فأصواتهم مضمونة ومحسومة قبلا.

وإذا تسجل بضعة آلاف آخرين من المواطنين في اللوائح الانتخابية وأدلوا بأصواتهم لصالح مرشحي العدالة والتنمية، فذلك سيكون من باب «المعروضة من الخير».
أي أن الحزب الحاكم «ماعوالش» على أصوات الناخبين العرضيين، بل إنه يعول أساسا على أصوات مناضلي الحزب وأعضاء الشبيبة وأذرعه الدعوية والنقابية والجمعوية، وأعضاء التعاونيات المنتشرة في كل أقاليم ومدن المملكة، والممول أغلبها من صندوق التعاون الوطني.

وبعدما عرف رئيس الحكومة أن معركة الانتخابات محسومة لصالح حزبه، عبر عن ذلك صراحة وقال لمناضلي حزبه إنهم سيفوزون بالانتخابات المقبلة وبالتي ستليها، يقصد التشريعية. مما يدل على أن رئيس الحكومة ضمن البقاء في رئاسة الحكومة، أو في الحكومة على الأقل، لعشر سنوات كاملة، وهي بالضبط المدة التي قضاها الاتحاد الاشتراكي في الحكومة قبل أن ينتهي إلى ما هو عليه اليوم.
وبالموازاة مع هذا التنظيم الجيد للحزب الحاكم، وانضباط أعضائه ووزرائه ومستشاريه لتوجيهات النواة الصلبة للحزب، نرى كيف تعيش بقية الأحزاب، سواء التي تتعايش في البيت الأغلبي أو تلك التي توجد في المعارضة، حالة من التشرذم والتفكك والفرقة.

وفي مقابل سياسة رص الصفوف داخل حزبه، طبق بنكيران مع خصومه وحلفائه على حد سواء سياسة «فرق تسد»، فطبقها مع الاتحاد الاشتراكي عندما ساند رفاق الزايدي ضد لشكر، وطبقها مع الاستقلال عندما ساند حركة «لا هوادة» ضد شباط، وها هي اليوم السياسة نفسها تنجح في اختراق بيت الحركة الشعبية الذي يعد أوهى البيوت الحزبية، وقريبا سيعيش خم حمامة الأحرار نصيبه من لعنة تسمى «الحركات التصحيحية»، خصوصا بعد الفضائح التي أصبحت تلاحق قياديين في الحزب، أكبرها فضيحة اتهام فتاة لبرلماني من الأحرار بالقنيطرة باختطافها ومحاولة اغتصابها، مما دفع بمزوار الأمين العام للحزب ووزير الخارجية للذهاب إلى بيت هذا الأخير رفقة وفد حزبي لمساندته حتى قبل أن تقول العدالة كلمتها في تأثير واضح على القضاء.

وهو التأثير ذاته الذي مارسه رئيس الحكومة عندما ذهب إلى بيت بلكورة، عمدة مكناس السابق، لكي يتضامن معه ويشد من أزره بعدما حددت محكمة جرائم الأموال تاريخا للشروع في محاكمته هو وأفراد من أسرته بجرائم ثقيلة.

وكأن رئيس الحكومة يجهل أن ذهابه إلى بيت بلكورة فيه إشارة إلى القضاة، الذين يعتبر وزير العدل وصيا على رواتبهم الشهرية وعلاواتهم ومصائرهم المهنية، بأن هذا «المتهم» يوجد تحت حماية رئيس الحكومة، تماما كما فعل مع الشرطي الذي حمله في الطريق نحو طنجة وعندما أرادت إدارته أن تعاقبه أشهر رئيس الحكومة ورقة «الحماية» لمنع تطبيق القانون.
ألم يكن الأنسب أن يمتنع رئيس الحكومة عن زيارة بيت متهم يوجد محل شبهة فساد إلى أن تقول العدالة كلمتها؟

غير أن كابوس بنكيران وحزبه ليس هو هذه الأحزاب المنخورة التي يتصارع فيها الآباء الأولون مع أبناء الجيل الجديد الطارئين أو النازلين عليه بالمظلات، بل إن كابوسه ورعبه الحقيقي هو حزب «الجرار».
ولعل خوف بنكيران تضاعف عندما جرب سياسة «فرق تسد» مع حزب الأصالة والمعاصرة، وأعطى هو ووزيره في التجهيز إشارات مبطنة وأخرى واضحة إلى إمكانية التحالف مع هذا الحزب، شرط أن يتخلص من جناحه الريفي الذي يعتبره بنكيران الجناح اليساري والعلماني الذي طالب ذات وقت باستئصال حزب العدالة والتنمية بشكل نهائي من المشهد السياسي.

بل إن رئيس الحكومة لم يتوقف في كيل الاتهامات لهذا الجناح عند حد معين، بل وصل إلى حدود اتهام قادته بكونهم مافيوزيين يضعون أيديهم مع أيدي تجار المخدرات. وفي مقابل كيل الاتهامات لجناح «ريافة» داخل حزب «الجرار»، ألقى بالورود وكلمات الغزل في حق الباكوري الأمين العام للحزب، الذي وصفه بالرجل الطيب الذي يجب أن يبتعد من عصابة الأشرار التي تتحكم في حزبه.

بنكيران كان ينتظر أن يرد إليه الباكوري المصعد وأن يعطي إشارة يفهم من خلالها أن جناح الباكوري يمكن أن «يسوس» جناح «ريافة» ويغرد في سرب بنكيران، إلا أن الباكوري رش الملح في جرح بنكيران عندما قال في آخر تجمع حزبي إن الأصالة والمعاصرة حزب واحد وإن رئيس الحكومة عليه أن يهتم بإدارة مسؤولية رئاسة الحكومة وأن «يقيل عليه» الشؤون الداخلية للأحزاب.

مما يعني أن جواب الباكوري على هذه «البيعة والشرية» كان هو «ما لاعبينش».
وهو الجواب الذي لخبط أوراق بنكيران وجعله يبحث عن طريقة أخرى لكسب ود من يعتبرهم صالحين في حزب «الجرار» لكي يتحالف معهم في المستقبل القريب من أجل البقاء في الحكومة خمس سنوات إضافية.