إن من بين ما يعنيه التاريخ أنه سجل يضم ما توصل المؤرخ إلى معرفته من حقائق حول أحداث الماضي. والإنسان في جميع الأحوال تكون معرفته بأي أمر سابق غير كاملة، أو على الأرجح غير دقيقة، لما قد يكتنفها من تباين في الروايات، ولما قد يطرح من إشكاليات في موضوعية المؤرخين، وربما تطرفاتهم، ثم تأويلات المتلقي لهذا التاريخ حسب الأبعاد المتعددة لانتماءاته، ولما يتعلق بإشكاليات البحث التاريخي نفسه. فيكون لرؤية هذا الإنسان للماضي وفقا لهذه العوامل تأثير كبير على طبيعة استنتاجات الحاضر والمستقبل. ولكي يحصل فهم الحاضر على الوجه الأقرب إلى الصواب من خلال الماضي يجب أن لا ننظر إلى التاريخ على أنه بدون معنى، أو أنه لا يقدم لنا أية عبرة، أو أن نختزله فقط في الأخطاء المتكررة التي وقعت في الماضي السحيق والتي هي شديدة الوطأة على الحاضر والمستقبل بشكل واسع النطاق وفادح الضرر. بل يجب النظر إليه على أنه صناعة تمحيص الأحداث، وفن استخلاص محاذير الفوضى المحتملة في خفايا الواقع، وفلسفة البحث عن النمط الأمثل للحياة من خلال التجديد المستمر في التفكير بما يتأقلم مع معطيات هذا الواقع، ومن خلال تعقب أثر بذور القوة الحقيقية التي ساهمت في بناء الحضارات الإنسانية، من أجل العمل على تنميتها في أفق إرساء التوازن اللازم بين أحداث الماضي التي تتمثل في خلاصات تصرفات الإنسان وطبائعه، ومآله في الأزمنة المقبلة. فالأمر يتعلق إذن بالعمل على تبيّن الحاضر على ضوء الماضي على اعتبار أن الحاضر هو نتيجة تفاعل تراكمات الماضي. وحيث أن هذه التراكمات تشمل كلا من النجاحات والإخفاقات التي تهم جميع مناحي التفكير الإنساني وأشكال تفاعله مع ما دونه من الكون، وحيث يستحيل التحديد الدقيق للتاريخ الإنساني بتمامه، وحيث أن المعرفة التاريخية لا تشذ عن قاعدة نسبية المعرفة الإنسانية، وحيث أن الهدف هو النزوع الغريزي إلى الكمال رغم أنه محال التحقيق، فيبقى العمل على أساس المعرفة الجزئية، والاكتفاء المؤقت بافتراض صحة ما تيسر من التاريخ كما هو الحال في الميادين الأخرى، مع اليقين المسبق باحتمال ورود جوانب أخرى من الماضي لا زالت مجهولة، أو إعادة تدقيق أو تثبيت ما هو متناول. فما المانع مثلا من افتراض وجود حضارات إنسانية لم تطلها يد البحث بعد؟

فالنزوع إلى الكمال يستوجب النظر إلى الحاضر على أنه إرث إنساني، وأن كل ما هو عظيم ونبيل ومثمر في أعمال الإنسان على هذه الأرض، وفي جميع المستويات، هو بفضل أفراد عظماء لهم مواهب فريدة، عرفتهم حضارات الكون جميعها، واحتضنتهم مجتمعاتهم وصانتهم، وهيأت لهم الظروف المناسبة للعمل على نموها  وازدهارها من خلال التعاون المثمر الذي هو في الواقع نمط وشكل من أشكال المنافسة الطبيعية. فكان أن نتج عن تعاون هؤلاء العظماء، ضمن الأسرة والفريق والنادي والحزب والدين والجنس والمجتمع والإقليم والكون، تجميع وتراكم وتكامل للقوى المتعاونة لتصبح الدولة عظيمة بعظمائها، تتماهى مع ناموس الطبيعة في التزاحم الناعم من أجل الاستملاك والمفاخرة والمشاركة الكونية في الإعمار وإرساء الأمن والاستقرار، وتقاسم القيم النبيلة. هؤلاء العظماء شكلوا على الدوام النخب في الحياة، وهم الغالبون في كل واجهات صراع تنازع البقاء، حيث أجبروا الضعفاء إما على تبني أسباب العظمة والانخراط فيها، وإما على التواري صاغرين في جعبة التاريخ. إنهم العظماء الذين يتوفقون خلال التزاحم على الغذاء والنفوذ لأنهم الأوفر استعدادا والأغزر مواهب من سواهم في نضالهم لأجل البقاء والنجاح. إنهم الذين يمتلكون ملكات التنظير في دولهم ـ التي يعتبرونها ذواتهم بنسب أضخم ـ لتخطي الدرجة الصفر في التفكير، وذلك من خلال العمل المتواصل على مدى الزمن الطويل لتحقيق الانصهار بين كل روافد المجتمع من أجل بناء مجتمع متجانس ومنسجم ومتفرد، له خصوصياته، وفلسفته القومية التي تميزه، وتشكل فيه التعددية إثراء للوحدة، وتسمو فيه المواطنة على أي اعتبار آخر، ويشتد التماسك والالتفاف حول الجوهر النقي الذي لا شية فيه، ولا اختلاف حول صفائه. إنهم العظماء الذين شكلوا على طول الزمن مبهجة التاريخ، وسادت في شخصياتهم الطباع والميول الفطرية والمشاعر المكتسبة الإيجابية التي تصون الفرد والأسرة والبيئة والمجتمع والنوع، وتساعده على مجابهة أو تحاشي ما قد يعترضه من صعاب، وتصيد فرص النجاح والتقدم بأقل تكلفة وجهد، وبأقل خسائر ممكنة، وبالتالي الإسهام الفعال في بناء الحضارة الإنسانية الكونية التي تشكل في حد ذاتها الماضي الواعي للبنين، لينطبق عليه القول أنه العظيم، المنصف الجريء الذي يضيف إلى التاريخ صفحات من حسنات الإنسان، بخط من ذهب.