مولود شريفة: نعيش في زمن تنمو فيه المآسي بشكل ملفت، وتزداد المسافات بين الناس كبرا، وتعظم الكآبة، ويحصل التجرد من الإنسانية شيئا فشيئا، فينتج عن هذا أن يصبح فعل التعايش مستعصيا، وتتوارى أنماط الحياة في انهزام إلى زوايا يعمها الظلام الدامس.

في الواقع، العالم حافل بالخبراء والعلماء والمحللين في كل التخصصات، وهذه الدرجات من الخبرات والعلوم وإمكانيات التحليل توفر سلطة معرفية قاهرة تفرض مستويات الذروة فيما يخص الثقة في الشارع الكوني، لكن رغم هذا هناك غياب تام لأي تحليل أو تفسير أو توقعات  أو تحذير للأخطار المحدقة بشكل استباقي؛ وفي المقابل وبعيد الأزمات أو خلالها، يظهر هؤلاء المتخصصون وكأنهم مدعومون بما يشبه الوحي من خلال إظهار قدرات عالية على التحليل والتفسير؛ وبالتالي فإن درجات اليقين البادية بعيد الحدث (الأزمة) تكون متماثلة تماما مع درجات الجهل قبيله.

إن اليقين والمصداقية التي تنسب حتما لخطاب الخبرة والعلمية والتخصص تبين للفرد باعتباره كائنا اجتماعيا أو مواطنا أو مستهلكا مدى سذاجته وخضوعه لمجموعة من القواعد والإطارات الصورية التي تكرس دكتاتورية سلطة الخبرة والمعرفة؛ وهذا التأرجح بين السذاجة واليقين هو ما يؤطر حياة الفرد ويوشمها بالخوف السيكولوجي والفيزيولوجي، وبالعزوف عن المخاطرة والمبادرة.

هذا الوضع غير المستقر يوفر الظروف المناسبة لنمو بذور الصراعات الدموية بغية تبديد الخوف، فتظهر ازدواجية أخرى بمتناقضتين غريبتين: القتل من أجل الحياة، هدم الأمن من أجل الأمن؛ وحيث إن الأمر يحتاج إلى التسلح فإن رهان صانع الأسلحة هو من قبيل تحقيق الدمار الشامل والميغاقتيل (méga-morts)، وسيكون رجل الاقتصاد الذي يستثمر في مشروع بــ 17 ميغاقثيل (مثلا الحرب العالمية الأولى) رابحا بكل تأكيد، رغم أنه يعلم بقينا أن هذا الربح لا يمس أبدا القضاء على الأمراض المستعصية أو البطالة أو الأمية أو الهشاشة أو السلام أو توفير الغذاء أو المحافظة على النظام البيئي أو غيرها مما له علاقة بالحياة، مع العلم أن الأمر جلل يتجاوز كل التضحيات؛  ومن هنا يتضح أن الحرب هي أكبر عملية احتيال يمكن أن يتعرض لها الإنسان، فيفرض السؤال المشروع نفسه: كيف للإنسان أن يحتال بدوره على الحرب ليقضي عليها؟؟

تجدر الملاحظة من جهة أن كرونولوجيا جميع التحولات الضخمة التي حدثت في تاريخ الإنسان على المستويات الفكرية والأخلاقية والفلسفية والعلمية والدينية والسياسية مرت بثلاث وفقط ثلاث مراحل أساسية: كانت كلها في بدايتها سخيفة ثم أصبحت بعدها خطيرة ثم انتهت بكونها واضحة وعادية، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان واكتشاف دوران الأرض حول الشمس  والقضاء على الميز العنصري مثلا كلها كانت في بدايتها سخيفة ثم خطيرة وفي الأخير أصبحت عادية جدا؛ كما أن هناك مرضا طفيليا (toxoplasmose) يصيب دماغ الفئران والقطط فيقضي – بشكل شيطاني- على غريزة الخوف لذى الفئران وتصبح تحب رائحة بول القطط فيقترب المصاب من عدوه دون مراعاة الخطر المحدق به وينتهي الأمر به قتيلا؛ هذا الطفيلي يحتال على القط والفأر معا، على الرابح والخاسر، همه الوحيد هو أن يخلف ضحايا أكثر؛ وعند شخصنة الحرب فهي تشبه تماما هذا المرض الطفيلي الذي يصيب مناطق محددة في دماغ الإنسانية منذ آلاف السنين، وعند النظر إلى الملايير التي تنفق على السلاح في العالم نفهم إن الإنسانية فعلا مصابة بهذه العدوى (الحرب)، ونفهم أيضا أن العدوى تصيب الأحسن ما عند الإنسانية، فأعمال أرخميدس وليناردو دافينتشي وإنشتاين ونوبل وغيرهم كلها أسست لصناعة الأسلحة، كما نفهم أيضا أن بطولات الإنسان في قتل الآخر تفوق بكثير بطولاته في إنقاذه، والقدرات التي يعمل على تطويرها خلال الحرب أكبر بكثير من القدرات التي يطوها في زمن السلم.

إن القضاء على هذا الداء الطفيلي يقتضي بداية الإحساس والاقتناع بأن الإنسان فعلا مصاب، وعليه أن يبذل نفس الجهودات التي يبذلها في الحرب من أجل البناء وليس من أجل الهدم، ويصنع أسلحة للبناء الشامل وليس للدمار الشامل، ومن أجل ذلك يجب أن يحس الإنسان أن حياته لا معنى لها خارج الإطار الاجتماعي ودون أن يتقاسم الكوكب مع الآخر.

التعايش – رياضيا – يفيد الاقتناع أن الاتحاد أكبر قوة من الجمع، وأن إمكانات العمل المشترك في كل الحالات الممكنة لا متناهية، وأن الاختلاف من حيث المواهب والقدرات ومصادر الإلهام والاختيارات وزوايا الرؤية هو غنى يكون للانتباه إليه على مستوى الفرد فضل كبير للنجاح في حياة المجتمع؛ فما الفرد إلا “التاريخ الذي يحمله على ظهره”، وهو تماما نتيجة لاختياراته واختيارات الآخرين أحيانا، ومجموع هذه الاختيارات وتفاعلها هو بالضبط ما يشكل تاريخ الفرد وحياته، وغالبا ما يتأرجح هذا التاريخ بين حالتين متقاطبتين: عبء ثقيل من جهة وانفراجات مفعمة بالأمل من جهة أخرى، تتوسطها حالات شرود وتساؤل حينا وصحوات وآلام وانتشاء أحيانا أخرى، يكون تموضع الفرد في زاوية معينة للفهم حاسما في ميلانه نحو إحدى هاتين الحالتين المتقاطبتين ومنه سيادتها وتنحي الأخرى إلى حين توفر ظروف التغيير.

ولعل النظر إلى انسياب الزمن هو من بين أهم هذه الزوايا؛ فالماضي يسبق الحاضر، والحاضر يسبق المستقبل، واختيارات الحاضر هي نتائج أشكال فهم الماضي، وفهم الحاضر ينتج اختيارات الغد؛ ومن هذا الفهم الانسيابي للزمن يستفاد أن حياة الفرد تكون على مسار ذي اتجاه يتقدم إلى الأمام وفق التراكم المنطقي لطبقات الزمن، في حين أن فكره يكون على مسار ذي اتجاه معاكس، تكون النوستالجيا خلفيته الأساسية، فهو غالبا ما يرجع إلى تجاربه السابقة والأحداث التي عاشها سلفا ليبلور فهما معينا يشكل المتجهة الموجهة لاختياراته؛ وبهذا تكتسي حياة الفرد هنا ازدواجية غريبة: الحضور المتزامن لفكرة الإرث بما له وما عليه، والمبني أساسا على نقل الأفكار والرسائل والأحاسيس والتجارب من جيل لآخر، وفكرة الحتمية التي تبنى على الاختيارات المناسبة ضمن فضاء الاختيارات الممكنة، هذا الفضاء الذي تؤثثه المسارات العائلية والهويات الثقافية والدينية والسياسية وغيرها من أشكال الحضور الاجتماعي للفرد.

والتعايش بهذه الازدواجية يحتم على الفرد البحث في فرص النجاح المتاحة وإلا صنعها، فيكون ميالا إلى إعادة إنتاج الجانب الإيجابي من إرثه وتحاشي ما كان منه سلبيا، فينتج عن ازدواجية الإرث والحتمية حقائق اجتماعية ثابتة كأن تعيد النخب إنتاج ذاتها، وتعمل على أن تبقى مستقرة وتحافظ على وجودها وقوتها.

لكن عندما يعمل الفرد على التغيير الذاتي من خلال العمل على الانتقال من حالة معينة إلى أخرى أحسن توفر له فضاء أرحب وظروفا أنسب لتحقيق الذات، يبدو الأمر وكأنه مجرد مغامرات وإنجازات فردية تهدف إلى كسر السقف المتعارف عليه (conventionnel) في المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي واقع الأمر هذه مأساة حقيقية، لأن النجاحات الفردية غالبا ما تخفي إخفاقات جماعية.

إن الاقتناع بحتمية التعايش تكسب الفرد القدرة على التشخيص الذاتي وتحديد مكامن العدوى والعمل على تظافر الجهود لاستئصالها من خلال إرساء مصانع عسكرية للبناء الشامل.

ولكم وللعالم السلم.