محاربة الفساد والاستبداد كان الشعار المركزي القوي الذي رفعته الحكومة المغربية، بقيادة حزب العدالة والتنمية، في برنامجها الذي بسطته أمام المغاربة، منذ تنصيبها في الثالث من يناير 2012، إذ مرت طيلة ثلاث سنوات بالتمام والكمال، الكثير من المياه تحت جسر الحكومة.

وفيما تؤكد الحكومة ومؤيدوها أنها تحظى بشرف فتح ملفات ساخنة لم تكن تجرؤ الحكومات السابقة على الاقتراب منها، من قبيل إصلاح صندوق المقاصة، ومحاربة مظاهر الريع، فإن محللين يرون أن الحكومة “نصف الملتحية” عجزت عن محاربة الفساد، خاصة في ملفات ومجالات بعينها.

والمقصود بالفساد، بالنسبة لمحللين مغاربة، كل مظاهر الإخلال بميزان العدالة، حيث استغلال النفوذ، والتربح بطريقة غير مشروعة، وانتشار اقتصاد الريع، وغياب التوزيع العادل للثروة، وغيرها من السلبيات التي تنخر الاقتصاد، وتساهم في إفقار الفقير وإغناء الغني.

محاربة الحيوانات الزاحفة

الدكتور محمد نشطاوي، الأستاذ بكلية الحقوق بمراكش، قال في تصريحات لهسبريس إن البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية اعتمد على شعار محاربة الفساد، وشكل الأساس الذي سيطبع السياسة التي سينفذها لتخليق الحياة السياسية متى تقلد مقاليد الحكم”.

وتابع نشطاوي بأنه “بِعد أكثر من ثلاث سنوات في السلطة بدأت الحكومة الملتحية بالتطبيع مع الفساد، انطلاقا من عجزها عن وضع آليات حقيقية لذلك، واستعاضتها بمحاربة التماسيح وكافة الحيوانات الزاحفة، ثم عدم تمكنها من محاربة الريع العمود الفقري للفساد”.

واستدرك المحلل بأن البعض قد يدعي أن دواليب الدولة العميقة تعارض كل تحرك نحو تخليق الحياة العامة مادامت تستفيد من هذا الوضع، غير أن الدستور الجديد الذي صوت عليه المغاربة سنة 2011 منح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة لم يستعملها”.

وسرد المتحدث عددا من الأمثلة على ذلك، مركزا على مسألة التعيين في المناصب السامية، حيث تكون من حق الأجدر والأكفأ، وهي إحدى الوسائل التي من شأنها القطع مع التعيينات الزبونية، ووضع سياسة حقيقية للتعامل مع ذلك”.

ولفت نشطاوي إلى أن الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة سجلت عددا من المؤاخذات في التعاطي الحكومي مع الرشوة والفساد، لاسيما ضعف التناسق المؤسسي بين مختلف سلطات وهيئات التفتيش والمساءلة والمتابعة، وضعف رد الفعل لوزارة العدل للتعامل مع ملفات الفساد.

مجالات الفساد

وفي الجواب عن سؤال يتعلق بمدى قدرة الحكومة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية، على تحقيق برنامجها فيما يخص محاربة الفساد في البلاد، قال الدكتور عبد الرحيم العلام، الباحث في العلوم السياسية، إن الحكومة سلكت بعض السبل من أجل الالتزام ببرنامجها.

وأورد العلام أمثلة على ذلك “الإعلان عن لائحة المستفيدين من رخص النقل، وتشكيل لجنة لحصر أملاك الدولة، والتقشففي بعض المرافق العمومية، وتطوير عمل الإدارة، وتفعيل عمل المؤسسات الموازية، المجلس الأعلى للحسابات، وهيئة الوقاية من الرشوة، ومجلس المنافسة.

وسجل العلام، في تصريحات لهسبريس، بأن هذه السياسات لا ترقى إلى مستوى المطالب الشعبية بلْهَ البرنامج الحكومي، فكثير من أملاك الدولة لا زالت في يد كبار النافذين، مشيرا إلى حوالي 800 ألف هكتار من الأراضي المسترجعة من المُعمّرين.

وزاد المحلل “الإعلان عن رخص النقل لا يعني القطع مع اقتصاد الريع، بل إن العديد من رخص النقل مُنحت خلال فترة الحكومة الحالية، مثل الرخص التي منحت للاعبي الرجاء البيضاوي، كما لم تكشف المستفيدين من رخص الصيد في أعالي البحار، ومقالع الرمال، وبيع الخمور.

وسجل المتحدث بأن الحكومة لم تتوفق في القضاء على الرشوة، خاصة في القضاء، والأمن، والمرافق العمومية، وذلك بشهادة منظمات محلية ودولية”، مشيرا إلى أن المغاربة ينتظرون تنفيذ تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي كشفت عن اختلالات في مؤسسات الدولة.

وأفاد العلام بأن الحكومة عجزت إلى حد الآن عن إصلاح صندوق المقاصة، فضلا عن بعض مظاهر الفساد التي ينظمها القانون، مستدلا بمثال ثلث الميزانية الذي لا يخضع لمراقبة البرلمان، وهو الجزء الذي يدرجه قانون المالية ضمن الحسابات الخاصة “الصناديق السوداء”.