تحت شعار قوله تعالى:”ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكـة” (سورة البقرة، 194)،  وفي إطـار التحسيس بخطورة الأوبئة،نظم المجلس العلمي المحلي بجرسيف بتنسيق مع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية والمندوبية الإقليمية للصحة بجرسيف،ندوة علمية عن بعد، عبر تطبيق زوم (zoom)  في موضوع:”الظاهــرة الوبائية وسبل مواجهتهــــا” أطرها أساتذة باحثون من داخل الإقليم وخارجه

دم افتتاحها بكلمة ترحيبية ومداخلات متنوعة

الأستاذ امحمد بن حليمة عضو المجلس العلمي المحلي بجرسيف

الكلمة الترحيبية للندوة العلمية

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم،الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين،وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد،

السيد المحترم: رئيس المجلس العلمي المحلي لجرسيف.

السيد المحترم:المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية بجرسيف.

السادة المبجلون،العلماء الفضلاء، والعالمات الفضليات،والأئمة المرشدون الأجلاء،والمرشدات الجليلات،والأئمةوالخطباء،والوعاظوالواعظات،والمستمعون الكرام،والمستمعات الكريمات،كل بوصفه ووسمه،أحييكم بتحية مباركة طيبة،تحية الإسلام،فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى  وبركاته،ونرحب بكم جميعا، في هاته الندوة العلمية،الموسومة بعنوان: ” الظاهرة الوبائية وسبل مواجهتها”التي تنظم في هذا اللقاء التواصلي المبارك، عبر تطبيق زوم، الذي أملته ظروف استثنائية،وقدر إلهي،بسبب جائحة وباء كورونا المستجد،رفعه الله تعالى عنا عاجلا غير آجل بألطافه الخفية.وهدفنا- أيها الإخوة الكرام،والأخوات الكريمات،من تنظيم هاته الندوة المباركة، في هذا اليوم الأغر الميمون،هو صلة الرحم مع بعضنا،وربط جسور التواصل، مع مختلف الفئات الاجتماعية،وتجديد اليقظة، لدى المواطنين والمواطنات، عملا بقوله تعالى: “ولاتلقوا بأديكم الى التهلكة…”. وتنزيلا لمضامين الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه أمير المؤمنين نصره الله، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب،وعملا بتوجيهات مذكرة الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى،ومواكبة للحملة الوطنية للتحسيس والتوعية، باتخاذ الاحترازات الوقائية، لمواجهة هذا الوباء،وباء كورونا،وغيره من الأوبئة والشدائد والأزمات،وقانا الله منها.

واسمحوالي – أيها الإخوة والأخوات –أن أتقدم باسم المجلس العلمي المحلي، رئيسا وأعضاء وأطرا إدارية،بالشكر الجزيل والامتنان،إلى كل المشاركين في هاته الندوة العلمية،الذين ضحوا بجهدهم ووقتهم، من أجل المساهمة في هذا اللقاء التواصلي المبارك،الذي ينير السبيل أمام المواطنات والموطنين،ويوفر الأمن الروحي للحائرين. وأخص بالذكر،من هؤلاء المشاركين،الذين أكرمهم الله تعالى بنور العلم وحسن الفهم،وجعلهم منارات هدى،لإسعاد العباد وإصلاح البلاد،وهم السادة الفضلاء:

*- فضيلة الدكتور: عبد القادر بوشلخة رئيس المجلس العلمي المحلي لجرسيف.

*- فضيلة الدكتور: عبد القادر بيطار أستاذ جامعي بوجدة.

*- فضيلة الدكتور: محمد مصلح أستاذ جامعيوعضو المجلس العلمي المحلي بوجدة.

*- فضيلة الأستاذ الباحث وعضو المجلس العلمي المحلي بجرسيف،عبد العزيز الحفياني.

*- الدكتورة والطبيبة الفاضلة،بالمندوبية الإقليمية للصحة بجرسيف، صوفيا بن زيان.

*- الأستاذة الفاضلة جمعة لكرد،منسقة خلية شؤون المرأة وقضايا الأسرة بالمجلس العلمي بجرسيف.

فشكرا مرة ثانية لهؤلاء المشاركين،والشكر موصول أيضا، إلى كل الهيئات المنظمة،والراعية لهذه الندوة العلمية عن بعد،والممثلة في:

*- المجلس العلمي المحلي لإقليم جرسيف.

*-والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية.

*- والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية.

*- ومندوبية الصحة بجرسيف.

*- والسلطات المحلية بإقليم جرسيف.

كما لايفوتني، أن أشكر جميع جنود الخفاء، الساهرين على إنجاح ومتابعة تفاصيل هذه الندوة،سائلين الله عزوجل، أن ينفع بها البلاد والعباد،وأن يرفع عنا هذا الوباء،وأن يرزقنا الأمن والأمان بهذا البلد الأمين، تحت ظل القيادة الراشدة لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه،وحفظ سائر بلاد المسلمين من الآفات الخارجة من الأرض والنازلة من السماوات،إنه سميع مجيب الدعواتآمين،والحمد لله رب العالمين.


مداخلة : الدكتور عبد القادر بوشلخة رئيس المجلس العلمي المحلي بجرسيف

الوقاية من الوباء مقصد شرعي لحفظ النفس

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. 

أيها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

ـ السيد المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية.

ـ السادة الحاضرون الافتراضيون، من أعضاء المجلس العلمي والمرشدين والمرشدات والواعظين والواعظات والأئمة والخطباء وعموم الضيوف الأجلاء.

ـ السادة المحاضرون الكرام كل باسمه وصفته، لكل هؤلاء ولكل من ساهم من قريب أو بعيد أوجه الشكر الجزيل والدعوات الصالحة.

أيها المستمعون الكرام، إن مساهمتي هاته تعتبر حلقة ضمن هاته السلسلة المباركة التي يقدمها المجلس العلمي بجرسيف، من أجل التحسيس بخطورة هذا الوباء الذي اجتاح بلدنا العزيز كسائر بلدان العالم، نطلب من الله تعالى أن يرفعه عاجلا وأن يحفظ البشرية جمعاء.

أيها المستمعون الكرام، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز مخاطبا نبيه الكريم:”وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”.الأنعام(107)

هاته الرحمة التي هي من مقاصد شرع الله، لا يمكن أن تتحقق الا عن طريق المحافظة على الكليات الخمس أو ما يسمى بالضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد نصوصا كثيرة معبرة عن مقاصد القرآن في حفظ هذه الضروريات الخمس؛ لكلِّ بني الإنسان!

ونزولا عند خصوصية هاته الفترة الصعبة التي يعيشها المغرب كسائر بلدان العالم نتيجة هذا الوباء، سأخصص هاته الحصة للحديث عن كلية النفس. فالله تعالى خلق الانسان وكرمه وفضله على سائر المخلوقات فقال تعالى:”وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا “.الاسراء(70)

وبناء على هذا التكريم فقد شرع له ما يحميه في دينه ونفسه وجسده عن طريق هدفين اثنين جاءت الشريعة الإسلامية حريصة على تحقيقهما وهما جلب المنفعة ودرء المفسدة.

فالله تبارك وتعالى شرع مجموعة من التشريعات لتحقيق هدف المحافظة على نفس الإنسان منها ما يلي:

* لقد حرم الله قتل الإنسان لنفسه، فقال تعالى:”وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”.النساء/29. فالذي لا يلتزم بالتدابير الوقائية لمواجهة هذا الوباء يتسبب في قتل نفسه.

* ومنع الانسان من تعريض نفسه إلى التهلكة، فقال تعالى:”وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.البقرة/195. 

فالمتهور الذي لا يأخذ بأسباب الوقاية يعرض نفسه للتهلكة.

* وحرم على الإنسان قتل أخيه الإنسان، فقال تعالى:”وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”.الأنعام/151.

فالذي يتهاون في تعامله مع الآخرين ولا يأخذ بالاحتياطات اللازمة، قد يعرض غيره إلى القتل بطريقة غير مباشرة.

وقد اعتبر الله تعالى قتل نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعا، فقال تعالى:”…مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…”المائدة/32.

فيجب على المسلم في هاته الظروف الحرجة أن يأخذ بجميع الاحتياطات الموصى بها من طرف الجهات المختصة، حتى لا يندرج تحت هذا الوعيد الشديد.

       كما حرم الله تبارك وتعالى مجموعة من الأطعمة لما فيها من ضرر على نفس الإنسان، ومع ذلك فقد أباحها عند الضرورة للحفاظ على هاته النفس قال تعالى:”وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُم إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُم إِلَيْهِ”.الأنعام:119

فالضرورة لها حكمها الخاص بها في الشريعة الإسلامية، والأخذ به واجب.

والإسلام قد شرع الرخص في أداء العبادات والفرائض الدينية، إذا كان أداؤها على وجهها الأصلي يحدث ضررا بالإنسان أو حرجا أو يكلفه فوق طاقته. 

وقد بين الله تعالى ذلك عندما شرع رخصة التيمم في الطهارة، لينوب عن الوضوء أو الغسل، فقال تعالى:”…مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”. المائدة(6).

فالصلاة في الجماعة إذا كان فيها احتمال كبير لوقوع الضرر، وأفتى بذلك أهل الاختصاص، فيجب الانتقال من العزيمة إلى الرخصة.

كما وضح هذا الأمر عندما شرع الإفطار في رمضان للمريض والمسافر فقال سبحانه:”يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”. البقرة/185

وقد بين الله تعالى هذا اليسر في التدين بصفة عامة حين قال:”…هُوَ اجْتَبَاكُمْ     وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ…”.الحج/78.

وقد حث الشرع على الالتزام بالرخص الشرعية لأنها هدايا ربانية وفيها مصلحة إنسانية، فقد قال صلى الله عليه وسلم:”إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ).

فطاعة الله كما تتحقق بأداء العبادة كاملة، تتحقق بأدائها ناقصة بسبب رخصة شرعية مع تساوي الأجر في الحالتين.

لأن رفض الرخص الشرعية فيها نوع من التشدد والتنطع والتضييق على النفس، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:”هلك المتنطعون. قَالَهَا ثَلَاثًا”رواه مسلم. وقال أيضا:”إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ “.رواه البخاري.

هكذا يتضح لنا أيها الإخوة أن الإسلام جاء ليحفظ نفس الإنسان ويرفع عنها الضيق والحرج، وقد جعل التكاليف الشرعية كلها في حدود طاقة الإنسان، لأن الله رحيم بعباده، وهو القائل سبحانه:”وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

وهناك قاعدة مهمة يرتكز عليها حكم حفظ النفس ورفع الحرج.. فقد قال الفقهاء:”درء المفاسد أولى من جلب المنافع”. والمراد بدرء المفاسد دفعها قبل وقوعها ورفعها إن وقعت.. ودليلهم في هاته القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم :”ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم”.

المستمع الكريم، أتمنى أن تكون هاته النصوص الشرعية والأدلة القاطعة التي قدمتها لك قد أثلجت صدرك وأراحت بالك وطمأنت نفسك التواقة إلى طاعة الله.. فتقتنع وتدرك أن الله يعبد بالعلم وليس بالعاطفة وحدها.. وبناء على هذا فإن عبادة الله مع وجود هذا الوباء لها أحكام شرعية خاصة استندت إليها المؤسسات الوصية على الشأن الديني.

نطلب من الله تعالى أن يرفع هذا الوباء عاجلا عن بلدنا العزيز وعن الأمة الإسلامية والبشرية جمعاء.

ونتضرع إليه سبحانه وتعالى أن يمتع مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس بموفور الصحة والهناء وأن يبقيه ذخرا وملاذا لهذا البلد الأمين وأن يقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وأن يشد أزره بشقيقه مولاي رشيد وكافة أسرته الشريفة وشعبه الوفي.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، آمين والحمد لله رب العالمين.