تحت شعار قوله تعالى:”ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكـة” (سورة البقرة، 194)،  وفي إطـار التحسيس بخطورة الأوبئة،نظم المجلس العلمي المحلي بجرسيف بتنسيق مع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية والمندوبية الإقليمية للصحة بجرسيف،ندوة علمية عن بعد، عبر تطبيق زوم (zoom)  في موضوع:”الظاهــرة الوبائية وسبل مواجهتهــــا” أطرها أساتذة باحثون من داخل الإقليم وخارجه

مداخلة الدكتور عبد القادر بيطار أستاذ جامعي بوجدة

العقيدة ودورها في مواجهة الأوبئة

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية أود أن أشكر جزيل الشكر فضيلةَ الأستاذ الدكتور العلامة سيدي عبد القادر بوشلخة –حفظه الله- رئيس المجلس العلمي الحلي لإقليم جرسيف على دعوته الكريمة للمشاركة في تأطير هذه الندوة العلمية المباركة المناسبة للوقت.

فأقول وبالله التوفيق: إن الحياة الكريمة للمسلم تنظم في نسق ديني متكامل الأركان، أساسه العقيدة، التي تنير له الطريق، وتزيل عنه شُكك الظُّلَم والأوهام، وتضمن له سعادة الدنيا والآخرة.    

ليس بالعلم التجريبي وحده يحيى الإنسان، بل هناك شيء أسمى وأعمق، يتجاوز طب الأبدان، يحتاجه جميع بني الإنسان، في كل زمان ومكان، إنه نور الإيمان، والثقة بالله ذي الجبروت والسلطان.

وفي ظل هذه الظروف الصحية الاستثنائية العصيبة التي يمر بها كوكبُ الأرض يجمل بنا أن نستحضر بعضَ الضوابط الشرعية والعقدية للوقاية من آثار هذا الوباء الوخيم، وما ينبغي فعله والتقيد به في كل وقت وحين، حفاظا على كليات الدين، بوصفها مقاصدَ شرعيةً لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصلاح المعاش والمعاد، والتي نجملها في عشر نقط:

أولا: أجمعتِ الشرائع السماويةُ كلُّها على حفظ الكليات الخمس، وفي إطار حفظ كلية النفس، فقد أمر الشارع الحكيم بالتداوي من جميع الأمراض والعلل إلا الموت. قال رسول صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داء إلاَّ أنزل له شفاءً”. وقال أيضا:” تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء”.

ثانيا: أن مَنْ يتولى العلاج هم الأطباء وحدهم، ولا يجوز لغيرهم فعل ذلك، حتى قال علماؤنا: من تطبَّبَ ولم يكن من أهل الطب فتسبب في هلاك نفس فهو آثم ضامن.

ثالثا: وجوب الامتثالِ للحجر الصحيِّ، كإجراء وقائي وفعال، لقوله صلى الله عليه وسلم:” إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها.”

وفي هذا الهدي النبوي الشريف فائدة عظيمة، وهي التحذير من نشر الوباء، ونقله إلى الأصحاء، فتعظم البلية.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، أنه إذا أرمدتْ عينُ إحدى نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينُها.

رابعا: الإيمان بالقضاء والقدر سلاح المؤمن، وهو لا ينافي الأخذ بالأسباب، لأنَّ الأخذَ بالأسباب من جملة الإيمان بالقضاء والقدر. “الفرار من قدر الله إلى قدر الله” كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

خامسا: كل محنة إلى زوال مهما اشتدت، ذلك أن جميع المقدرات في علم الله عز وجل لها أوقات معلومة، وآثار محدودة، وآجال مقدرة.

سادسا: حسن الظن بالله عز وجل، والصبرُ على البلاء، والرضا بالقضاء، والتسلح بالدعاء، والالتجاء إلى خالق الأرض والسماء، وتلاوة القرآن، وذكر الله عز وجل، في هذا الظرف العصيب، هو ما يجب أن يقوم به كل مسلم ومسلمة.

سابعا: وجوب التعاون والتضامن الاجتماعي مع الفقراء والمساكين والمحتاجين، والانخراط في جميع المبادرات الرامية إلى التخفيف من آثار هذا الوباء الخطير.

ثامنا: الحفاظ على العبادات، ولاسيما الصلاة، التي من شأنها أن تجعل المسلم مصدر خير لأمته ووطنه، وهي أيضا تهذيب للنفوس، وجعلها تسهم في توثيق العلاقات الاجتماعية الفاضلة، وحفظ كليات الدين.

تاسعا:  المسلم مطالب بأن يجمع بين الطبِّ الروحاني، وهو اللجوء إلى الله عز وجل، والطبِّ الجسماني، وذلك باستعمال الأسباب الشرعية، التي لا تُنافي التوكلَّ على الله.

عاشراً: أن مستقبلَ كوكبِ الأرض وضمانَ حياة كريمة مطمئنة على صعيد هذا الكوكب، وأن تحقيقَ الأمنِ  الصحيِّ في ظل التعارف الحضاري الحاصل بين الشعوب والأمم، وفي هذا الظرف بالذات، هو مسؤولية جميع بني الإنسان، كما أن الدعوةَ إلى تظافر الجهود من أجل إسعاد البشرية كلِّها مطلب شرعي سامٍ، تقره جميعُ الشرائع السماوية، ويباركه الدين الإسلامي الحنيف.

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد منبع النفع والكمالات، وعلى آله وصحبه ذوي الفضل والكرامات.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاتها