يسعى إقليم جرسيف، الذي ينتمي إلى جهة تازة الحسيمة تاونات، إلى تجاوز مظاهر الهشاشة والخصاص في جميع القطاعات، مستثمرا في ذلك مؤهلاته الفلاحية، عبر تطوير آليات الإنتاج، وتأهيل الفلاحين وتحسين ظروف اشتغالهم، للرفع من المردودية.
يعتمد الإقليم في اقتصاده على القطاع الفلاحي باعتباره واحدا من أكبر الأقاليم المغربية المنتجة لثمار الزيتون، إذ عرفت المساحة المغروسة بالزيتون تطورا مهما خلال العشر سنوات الأخيرة، بعدما مرت المساحة من 5400 هكتار خلال الموسم الفلاحي 1998/1999 إلى 24 ألفا و500 هكتار خلال الموسم الفلاحي 2013/2014، أي بمعدل نمو حوالي 1200 هكتار سنويا، وفق معطيات من المديرية الإقليمية للفلاحة بتازة.

ويتفاوت إنتاج الزيتون بإقليم جرسيف، الذي يتوسط ثلاث مدن هي فاس والناظور ووجدة، من سنة لأخرى بسبب الظروف المناخية، ويقدر معدل الإنتاج السنوي بـ 30 ألف طن، 80 في المائة منها يحول للتصبير و20 في المائة يحول لاستخلاص زيت الزيتون، كما تقدر الكمية المعصورة سنويا بنحو 52 في المائة من السعة الإجمالية للعصر بوحدات استخلاص زيت الزيتون.

أما في ما يخص طرق بيع الزيتون فـنسبة 50 في المائة من الإنتاج يجري بيعها في الشجرة، ونسبة 40 في المائة يجري بيعها للوسطاء، فيما نسبة 10 في المائة يجري بيعها بعد جنيها من قبل الفلاح.

من جهة أخرى، يتمتع إقليم جرسيف بوجود 8 وحدات لتصبير الزيتون، 6 منها بجماعة هوارة أولاد رحو وواحدة في كل من جماعة تادارت، والجماعة الحضرية لجرسيف، تعالج ما يفوق 9 آلاف طن في السنة، لكن المديرية الإقليمية للفلاحة بتازة، تسجل أن هذه الكمية تظل ضعيفة مقارنة مع السعة الإجمالية، التي تتوفر عليها مجموع الوحدات، ويعزى الأمر إلى قلة الموارد المالية لأصحاب هذه الوحدات، ما يقود إلى بيع زيتون جرسيف إلى المحولين (المصبرين) بكل من مراكش ومكناس.

تختلف أثمان الزيتون بإقليم جرسيف، ما بين زيتون التصبير وزيتون العصر، إذ يتراوح ثمن الزيتون الأخضر المعد للتصبير مابين 5 إلى 8 دراهم للكيلوغرام الواحد، وما بين 4 إلى 6 دراهم للزيتون الأسود، فيما يتراوح ثمن زيتون العصر ما بين 3 إلى 4 دراهم، أما زيت الزيتون فيتراوح ما بين 30 إلى 40 درهما للتر.

ينتمي إقليم جرسيف إلى جهة تازة الحسيمة تاونات، وتعتبر التجارة بإقليم جرسيف نشاطا أساسيا إلى جانب الفلاحة، حيث تنتعش أنشطتها التجارية خلال موسم الصيف والربيع، وتعد المنطقة الشرقية والناظور من أهم موارد هذا الإقليم في استيراد السلع وترويجها داخل الإقليم.

ويتموقع جرسيف على الطريق الوطنية رقم 6، التي تربط بين غرب المغرب وشرقه، وتوجد على بعد 65 كيلومترا من مدينة تازة في اتجاه الغرب، و56 كيلومترا عن مدينة تاوريرت في اتجاه الشرق، و157 كيلومترا عن مدينة الناضور في اتجاه الشمال عبر الطريق الوطنية رقم 15، وهي أقرب منطقة بحرية من المدينة، وأقرب ميناء بحري هو ميناء بني أنصار على البحر الأبيض المتوسط، ويبعد عن المدينة بحوالي 160 كيلومترا.

ولأن ثمار الزيتون تعد النواة الأساسية في الإنتاج الفلاحي بجرسيف، فإن الإقليم يحتضن مشروعين رئيسيين انطلقا العمل فيهما منذ سنة 2011، حيث تحرص وزارة الفلاحة والصيد البحري من خلال المديرية الإقليمية للفلاحة بتازة على أن تنتهي مدة إنجازهما في خمس سنوات من تاريخ البدء فيهما، ويتعلق المشروع الأول بصيانة وتثمين الزيتون بجرسيف على مساحة تناهز 8000 هكتار، بخمس جماعات، تادارت، وهوارة وأولاد رحو، ولمريجة، والصباب ورأس لقصر، ويستهدف المشروع حوالي  3800 شخص، فيما تقدر كلفته غلافا ماليا يصل إلى 6.5 ملايين درهم، ويتضمن المشروع اقتناء وتجهيز وحدتين عصريتين لاستخلاص زيت الزيتون سعة  الأولى 60  طنا في اليوم  والثانية 20 طنا في اليوم وبناء بنايات نموذجية لاحتضان وحدات استخلاص زيت الزيتون، بالإضافة إلى الدعم والمصاحبة التقنية، لبلوغ الأهداف المسطرة والمتمثلة أساسا في تحسين مستوى دخل الفلاحين ورفع الإنتاج من 2.5 طن في الهكتار الواحد إلى 5 أطنان في الهكتار. أما المشروع الثاني فيهم صيانة وتكثيف أشجار الزيتون بالمناطق السقوية على مساحة تقدر بـ 2500 هكتارا، ويستهدف 2400 فلاح بكل من جماعات، تادرت وهوارة أولاد رحو وراس لقصر، بتكلفة مالية تصل إلى 19.65 مليون درهم، ويتضمن المشروع صيانة 2250 هكتارا من أشجار الزيتون، وتكثيف تشجير الزيتون على مساحة 250 هكتارا، ثم اقتناء وتجهيز وحدة عصرية لاستخلاص زيت الزيتون ذات سعة 60 طنا في اليوم، بالإضافة إلى اقتناء الأرض لبناء الوحدة وتشييد بناية نموذجية لاحتضان الوحدة، مع الدعم والمصاحبة التقنية.

ويهدف هذا المشروع إلى تحسين مستوى دخل الفلاحين ورفع الدخل من 2.5 طن في الهكتار الواحد إلى 5 أطنان في الهكتار، مع تنظيم القطاع وتثمين منتوج الزيتون، وفق معطيات من المديرية الإقليمية للفلاحة بتازة.

خضعت مدينة جرسيف يوم 12 ماي 1912 كباقي قرى ومدن البلاد للاستعمار الفرنسي، وإذا كانت مدينة جرسيف خلال مرحلة ما قبل الاستعمار عبارة عن قصر صغير، فإنها أصبحت ثكنة عسكرية خلال فترة الاستعمار، وبذلك النواة الحالية لهذه المدينة يعود أصلها إلى الاستعمار، وما زالت بنايات هذه الثكنة ماثلة حتى الآن، بحيث أضحت مقر النواة المساعدة، وإذا كانت مدينة جرسيف في بداية هذه الفترة ثكنة عسكرية، فإنها سرعان ما تحولت إلى نقط ربط بين العديد من المناطق من خلال مد الخط الحديدي بين جرسيف وميدلت مرورا بأوطاط الحاج وميسور، والخط الثاني يربط بين تازة وجدة عبر جرسيف، ما يوضح النوايا الاقتصادية والتوسعية الاستعمارية. كما تحولت المدينة خلال هذه المرحلة إلى مجمع الحلفاء الموجهة للتصدير نحو إنجلترا، الشيء الذي ساهم في إنعاشها الاقتصادي وتوسعها العمراني.

مر تمدين مدينة جرسيف بثلاث مراحل أساسية، مرحلة ما قبل الحماية كانت عبارة عن تجمع سكاني صغير، وفترة الحماية حيث برزت الظاهرة الحضرية مع اختلالات مجالية واجتماعية، ومرحلة ما بعد الاستقلال حيث تنامت الظاهرة الحضرية والنمو الديموغرافي، حسب معلومات حصلت «تدبير» عليها من عمالة جرسيف.

ففي فترة ما قبل الحماية، كانت مدينة جرسيف عبارة عن قصر قديم جدا مشيد فوق صخرة قرب نهر ملوية، على بعد خمسة عشر ميلا من تاوريرت، وكان هذا القصر قصبة قبيلة بني مرين، تختزن فيه حبوبها عندما كانت تسكن الصحراء، ثم تحول إلى مقر إمارة على يد أبي عنان خامس ملوك بني مرين، ولا يوجد في السهل الذي يحيط بهذا القصر سوى القليل من الأراضي الزراعية، ليس فيها غير بعض البساتين الصغيرة المغروسة بالكروم وأشجار الخوخ والتين، ونظرا لوقوع هذا القصر في قلب الصحراء، فإن هذه البساتين في مثل هذا المكان تبدو وكأنها جنة آدمّ، وفق ما ورد في كتاب «وصف إفريقيا» للحسن ابن محمد الوزان الفاسي.

ويذكر المرجع ذاته، أن سكان جرسيف كان لهم عمل وحيد وهو حراسة الحبوب المخزونة في القصر لحساب سادتهم الأعراب، ومنظر هذا القصر بشع من الخارج كأنه خربة محروقة، جدرانه متهدمة سوداء وكذلك جميع المنازل المكسوة بحجارة سوداء.

كما كانت العلاقات والمبادلات التجارية مهمة بين شرق المغرب وغربه عبر محور ممر تازة، وجدة الذي أقيمت على طوله مجموعة من الحصون لمراقبة هذا الطريق التجاري وحماية التجارة والتجار، ووصف البكري مدينة جرسيف بأنها كانت قرية مزدهرة في القرن الحادي عشر، ثم تحدث عنها ابن خلدون سنة 1400 ومحمد الوزان الملقب بليون الإفريقي سنة 1550، وأنشأ بها السلطان العلوي قصبة في القرن 18.

شهدت جرسيف بعد الاستقلال تحولات مهمة أدت إلى نومها، فمن الناحية الاجتماعية غادرت الجالية الفرنسية المدينة، وجرى تعويضها بسكان محليين، يتكونون من بعض المحظوظين والملاكين والقواد الذين استفادوا من الفترة الاستعمارية فعوضوا المعمرين في السكن والأنشطة الاقتصادية، وهكذا جرى الشراء والسيطرة على ملكيات واسعة حول «المدينة الأوربية» التي أنشأها الاستعمار التي كانت عبارة عن مغارس ومجالات خضراء تتصرف فيها الجالية الفرنسية.

أما التحولات الاقتصادية فشهدت نوعا من الانكماش، حيث توقفت صادرات الحلفة نحو أوربا في الستينيات، بالإضافة إلى هجرة الأوربيين واليهود، الذين كانوا يساهمون في الرواج الاقتصادي والتجاري للمدينة، وفي سنة 1992 جرى خلق مركز البلدية، ومنها جرى خلق عدة قيادات في الدائرة، وساهمت شبكة الطرق التي تتفرع من المدينة نحو الجماعات التابعة لها في إعطاء المدينة نوعا من الدينامية والتواصل النسبي رغم ضعفها وقلة مواردها، ونتيجة للنمو الديموغرافي والهجرة القروية المكثفة كان لزاما أن توفر المدينة مرافق تجارية وخدمات إدارية ومالية تستوفي حاجيات السكان.

تختلف الروايات حول أصل تسمية المنطقة، فمنها ما ترجعها إلى التاريخ القديم، وتقول إن المنطقة كانت مليئة بأشجار أوراقها حادة تشبه السيوف، ورواية أخرى ترجع التسمية إلى عهد الأدارسة، إذ بعد اغتيال المولى إدريس بن عبد الله من طرف جرير الشماخ، فر هذا الأخير هاربا فلحقه حاجب المولى الرشيد، وعند واد ملوية استل سيفه فسميت المنطقة نسبة إلى عملية «جر السيف»، ورواية أخرى تقول إنه تعني ملتقى أو التقاء و «سافين» تعني نقطتي ماء بتركيبهما تعطي «إجار سافين» أي نقطة التقاء مجريين مائيين ( واد مليوة وواد مللو) ومع تداول المصطلح بكثرة ومن مختلف اللهجات تحولت «إجارسافين» إلى الكلمة الحالية جرسيف، ووصف البكري مدينة جرسيف بأنها كانت قرية مزدهرة في القرن الحادي عشر ثم تحدث عنها ابن خلدون سنة 1400 ومحمد الوزان الملقب بليون الإفريقي سنة 1550، وأنشأ بها السلطان العلوي قصبة في القرن 18 وأصبحت ابتداء من 1912 موقعا عسكريا فرنسيا.

مازال إقليم جرسيف بحاجة إلى تنوع في نسيجه الصناعي، وحجم استثماراته لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، إقليم فتي في طور بناء مرافقه الإدارية الجديدة من عمالـــــة ومديريات إقليمية والتي ستعمل على إعادة هيكلته وإعداد برامج مشاريعه التنموية.

من جهة أخرى، تحتل الصناعة التقليدية مكانة مهمة في النشاط الاقتصادي بالإقليم، حيث تحظى بعناية كبيرة من طرف السكان، خاصة في مجالاتها المتعلقة بصناعة الجلد، والخزف، وصناعة الزرابي، وصناعة القفة وأدوات التبوريدة المتعلقة بالفروسية من بنادق وخناجر ولباس الفرس والفارس.

كما يتميز إقليم جرسيف بمؤهلات طبيعية يمكن استغلالها في السياحة الجبلية، ويتوفر على مؤهلات تاريخية وتراثية تستجيب لحاجيات السياح من مآثر تاريخية وفنون فلكلورية شعبية، في حين أن  الطاقة الاستيعابية للفنادق بإقليم جرسيف، مازالت ضعيفة، إذ لا يتوفر إقليم جرسيف على فنادق مصنفة، لذا تبقى بعض الفنادق الصغيرة أو دور إقامة غير مصنفة تلبي حاجيات مبيت الزوار لهذا الإقليم.

ويبقى النهوض بالإقليم هدفا لجميع القائمين على الشأن المحلي، لمواكبة تطور باقي المدن المغربية، خاصة بعدما أنشئت عمالة جرسيف في سياق إنشاء عدد من المرافق والمصالح الإدارية، وتعزيز بنياتها التحتية بمنشآت ومؤسسات اجتماعية وثقافية ورياضية، لكنها محدودة حسب معاينة مجلة «تدبير» في جولة لعدد من شوارع وأزقة إقليم جرسيف، الذي يمتد على مساحة تقدر بـ 7301 كيلومتر مربع، مازالت معظمها عبارة عن أراض فلاحية أو أراض خلاء، وبعضها في طور التجهيز وإعادة الهيكلة.

 

محتوى الموضوع لا يعبر عن رأي جرسيف 24