نتعلم باستمرار على امتداد الزمن المنساب إلى اللانهاية، من الفكر الإنساني الهائل، أن في كل الأخطاء التي ترتكب، وفي كل النقائص التي تلاحظ، تكمن بذور مزايا تتحول بكل تأكيد إلى قوة عظيمة إذا تم الانتباه إليها، والعمل على تنميتها، وتحويلها لخدمة الهدف المشترك الأعظم، الذي هو الرغبة الجامحة في الحياة.

فالخطأ يدخل ضمن الطبيعة الإنسانية، أو هو امتياز إنساني محظ ( لا مخطئ غيره ) وهو عماء لا إرادي، قد يجرف تياره في غفلة عالقاتٍ من الحقيقة، لأن الإنسان عندما يقوم بعمل يؤول إلى نهاية سيئة، يفقد القدرة على النظر نظرة صحيحة إلى ذلك العمل، لكن إرادة التقدم إلى الأمام في كل مجالات التفكير الإنساني، والشجاعة والحزم مع النفس، والصفاء مع الذات هو ما يمكن من تعقب آثار تلك البذور المنفلتة، وتجميعها؛ كما أن التطلع إلى تفحص كل الأخطاء والنقائص هو فلسفة ناجحة وجديرة بالتبني، من شأنها أن تخلخل تلك الأفكار النمطية القيمية الجاهزة تجاه كل ما يعتبر نقيصة أو خطأ، ذلك أن الواقع الإنساني بكليته جاثم على قدر هائل من الأخطاء المتسربة والضائعة، والتي يؤدي عدم الاهتمام بها إلى خسارة حقيقية قد تسبب متاعب محبطة، وفرملة قوية تؤثر سلبا على السرعة الطبيعية التي تؤدي إلى الوصول الآمن؛ والإنسان العارف ينبغي عليه أن يولي اهتماما للأخطاء بقدر ما يحب الحقيقة، لأن هذا يمكنه من تسليط أشعة النور على تلك النقائص، ويحولها إلى منتهى النضج والكمال، ويمكنه دوما من النزوع إلى الاختيار المناسب في مواجهة الحالات الصعبة أو المستعصية، ومن الاعتماد على الحس المرهف في تحديد الفوارق الدقيقة في النظر إلى المفاهيم والقيم الخاطئة من زاوية نظر المٔصِح، ثم الإطلال من منطلق الوعي الذاتي على الحياة الصحيحة من وجهة نظر المخطئ. إنها التجربة الجوهرية الرائعة التي تمكن من الأخذ بزمام الأمور، ومن خبرة التحويل السريع لزوايا الرؤية، ومن القدرة على تحديد الفاصل بين الخطإ والصواب، ومن توخي الحذر في إصدار الأحكام، ومن أن لا يستطيب إلا ما يكون نافعا، ومن الكف عن الاستساغة والانتشاء في حالة تجاوز حدود المنفعة العامة، فيكتسب بذلك المناعة ضد كل ما هو ضار، ويعتمد على مبدإ الانتقاء من خلال رصيد تجربته في الحياة في إعطاء ثقته لقناعاته التي ترسخت لديه. فمن وجهة النظر هاته، تصبح حتى الأعمال الخاطئة التي تحدث في الحياة ذات معنى وقيمة، وكذلك الطرق الهامشية والخاطئة التي يسلكها الإنسان، وحالات التردد، والنزوع إلى الوضعيات المتواضعة، والمجهودات الكبيرة والمهدورة التي قد تبذل في مهمات مجانبة للمهمة الحقيقية التي تتمثل في تعقب أثر الصواب في الأخطاء.

الخطأ تجل من تجليات الاجتماع الإنساني، وهو مرتبط به في جميع مناحي التفكير، وفي طبيعة تمثلاته للسياسة والاقتصاد والإعلام والطب والتربية والدين وغيرها، وهو علامة على عدم استطاعة الإنسان الحسم المطلق في كل شيء في وقت واحد، وعلامة على وجود حالات غفلة في الشعور غالبا ما تنوب الرغبة العمياء على العقل خلالها لديه، لكنه أيضا دليل على عزم الذات على إعادة بناء ذاتها باعتماد قدرتها على النظر إلى نقاط الضعف والقوة لديها، وعلى إرادة الانتماء العفوي إلى عالم التحرر والرقة والرقي، وعلى تدارك ما صدر خارج إرادة العقل، أو خلال الإرادة غير الصائبة للعقل. فعندما لا تنحو الإرادة طبيعيا وباستمرار نحو الحقيقة، يتكون هامش للضلال، وتظهر خلايا تنضج في ظروف الإقصاء التلقائي، وتتحول إلى حالات جنينية للخطإ؛ ويبقى من الأجدر إذن استفادة الإنسان من هذا الامتياز (privilège) الذي يختص به، وعدم الاكتفاء باعتباره ﴿الخطأ﴾ حقا أو إرثا أو طبيعة. لكن ذلك ليس بالشيء الهين، أو ليس متاحا للجميع، على اعتبار أن العقل الذي له وحده مهمة التمييز بين الخطإ والصواب، والذي ربما هو الوحيد الأكثر توزيعا بالعدل لدى الإنسان، لا يتوفق دائما وبنفس القدر على أن يكون قادرا على ألا يخطئ؛ هذا التناقض يصعب تفسيره خارج الافتراض الوحيد والقوي الذي يجعل الخطأ جزءا لا يتجزأ من ذكاء الإنسان الذي ربما ينفرد عن غيره من الكائنات بالقدرة على إصدار الأحكام، وفي نفس الوقت ئستبعََد جدا أن يكون ذلك ناتجا عن حدود مزعومة للعقل، لأن الذكاء لا حدود له أبدا، بل إن الكائنات التي هي أقل من نوع الإنسان على مستوى سلم الذكاء غير معززة بما تميز به بين الصواب والخطإ لا تخطئ.

يجب إذن أن يستفيد الإنسان إلى أبعد حدود من خطإ الذات وخطإ الآخر، لأن الطريقة التي يرى بها الآخر تعكس تماما الطريقة التي يرى بها نفسه؛ وأن يعتبر أن الأخطاء التي لا تتسبب في الهلاك تعلن عن فرص هائلة للنجاة من كوارث لم تحدث، يجب أن تجعل الإنسان أكثر صلابة.

ولكم وللعالم السلام.

مولود شريفة

[email protected]