لا يجادل اثنان في كون القيم تشكل إحدى المؤشرات المهمة لمستوى الرقي والتحضر باعتبارها ترتبط بسلوكات الأفراد والجماعات، ولذلك فلا غرابة أن يحتل مفهوم القيم مكانة بارزة في علم النفس وعلم الاجتماع ،وما ممارسة القيم داخل مجتمع ما إلا تجسيد حي لأسلوب التفكير الذي يفكر به الناس، والذي يمثل إطارا مرجعيا  يحكم ويوجه تصرفاتهم وسلوكاتهم، ويؤسس لعلاقات إيجابية بين الأنا والغير داخل علاقات إنسانية نبيلة وخيرة تحترم إنسانية الإنسان الحامل للقيم الإنسانية الكونية.

إن القيم ظاهرة اجتماعية في كل المجتمعات الإنسانية رغم الاختلاف في التحضر والمدنية، وإن اختلفت هذه القيم من مجتمع إلى آخر ومن شخص إلى آخر داخل المجتمع نفسه، فهي تؤدي دورا رئيسا في ترابط وتماسك واستقرار المجتمع، وعليه، فإن معرفة القيم ودراستها يساعد على فهم الفلسفة العامة لأي مجتمع من المجتمعات يتقاسم أفراده قيما معينة، يتداخل ويتفاعل فيها البعد الوطني والعالمي للتعايش مع الآخر على أساس الحق والعدالة والكرامة والاحترام المتبادل، ولن يتأتى هذا إلا عن طريق إدراك حقيقي للبعد القيمي للحقوق كمعايير تنظم العلاقة بين الحق والواجب بين الأفراد والجماعات، فيدركون أهمية العلاقة القائمة بينهم وبين منظومة القيم للمحافظة على هوية الأمة، وهذا ما يجعل المجتمع يؤدي وظيفته بشكل سليم.

والحقيقة أن هذا المطمح هو هدف التربية عبر تاريخ الإنسانية، إذ باستقرائنا لتاريخ الفكر نجد أن فلاسفة اليونان انصب اهتمامهم في مجال الأخلاق على جمال السلوك سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للمجتمع، فأفلاطون لما كتب في “جمهوريته” عن النظام الذي اختاره للمدينة الفاضلة، بين أن الهدف من التربية هو أن يصبح الفرد عضوا صالحا في المجتمع في إطار غاية كبرى وهي نجاح المجتمع وسعادته. وسقراط كان مناصرا لقيم الحق ومحبا لها، وليس عبثا أن يقول قولته المأثورة: أفلاطون حبيب إلى نفسي بيد أن الحق أحب إلي من أفلاطون.

 وقد حظيت القيم بنصيب وافر عند فيتاغورس، حيث كان له نظاما تربويا يهدف فيه إلى تطهير النفس عن طريق الزهد،وتطهير العقل عن طريق العلم، وترويض النفس عن طريق الشجاعة والاستقامة.

أما الفيلسوف كانط ، فقد حرص على أن تكون العلاقات بين الناس مبنية على أساس  “الواجب الأخلاقي”  كقيمة نبيلة في المجتمع، ويعتبر قول الحقيقة أمرا ضروريا بل واجبا أخلاقيا.

والإسلام  جعل القيم والفضائل من الركائز والدعامات الأساسية التي انبنى عليها، إذ إن العقيدة الصحيحة هي المصدر الأول للقيم الأخلاقية النبيلة،  قال تعالى:” ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون” الروم 30. وقال أيضا:” وذلك دين القيمة” البينة 5. وقال عليه الصلا ة والسلام:( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) الإمام أحمد. والأمم تنهض وتتقدم حين تتمسك بقيمها، وتتقهقر وتسقط حين تتخلى عن قيمها، وهو ما أشار إليه الشاعر أحمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت  **   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

وهذا ما يستوجب طرح تساؤلات عدة من أمثال: ما مفهوم القيم؟ وما مكوناتها؟ وما دور القيم في تطور واستقرار المجتمع؟ كيف يمكن قياس القيم داخل المجتمع؟ ما قيمة القيم الأخلاقية في تنظيم العلاقات بالآخرين؟ ماهي مصادر القيم في الإسلام؟ وما مكانة القيم في المناهج التربوية الحالية؟.

 مفهوم القيم:

القيم في اللغة جمع قيمة (valeur)، وقيمة الشيء: قدره، وقيمة البضاعة: ثمنها.  والقوام: العدل، لقوله تعالى:”وكان بين ذلك قواما” الفرقان67. أي عدلا، والإسلام جعل العبادة الخالصة من أسس الملة المستقيمة  في قوله سبحانه:” وذلك دين القيمة” البينة5. كما تشير القيمة إلى الخلق الرفيع، فيقال: فلان له سلوك قيم أي جيد ورفيع.

وقد تعددت التعاريف الاصطلاحية لفهوم القيمة بتنوع القيم : قيم دينية واجتماعية وجمالية وروحية واقتصادية وثقافية… وكثرة هذه المفاهيم تجعل الدارس أمام مشكل التعريف الأكثر إلماما بكل جوانب الموضوع، غير أن المتفق عليه بينها – بين المفاهيم – هو أن القيم منظومة من المعتقدات والمعايير ذات صبغة دينية وأخلاقية وجمالية واقتصادية… وبواسطتها نحكم على سلوك الأفراد والمجتمعات بالحسن أو بالقبح.

إن القيم مؤشر من مؤشرات الحضارة ويمكن ملاحظتها وقياسها في أي مجتمع من خلال سلوكات أفراده وما يتلفظون به من ألفاظ ، فهي تؤدي دورا مهما في الاندماج بينهم، فتجعل الفرد يتقاسم القيم الجماعية مع غيره كقيم العدالة والمساواة والوفاء والتضحية والخير والجمال وحب الوطن والغيرة على أمنه واستقراره وتكريس الرغبة في خدمته ونشر قيم الاعتدال والتسامح واللاعنف، والتحلي بروح المسؤولية والانضباط، ولعل هذه القيم وغيرها موجودة في شريعتنا الإسلامية الغراء ومقاصدها السمحة المبنية على اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: ” وما جعل عليكم في الدين من حرج” الحج 78. وفي الحديث الشريف: ( ما خير رسول الله (ص) بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه)البخاري.

                  إن منظومة القيم هي التي تحصن المجتمع من أي غزو فكري أو عقدي يكون أحيانا تحت غطاء حقوق الإنسان وحرية التعبير، خصوصا أمام التقدم الهائل للتكنولوجيا، وهذا ما ساهم بشكل سريع في تغيير القيم والسلوكات، وعليه، فإن المدرسة بمنظومتها التربوية وقيمها النبيلة مدعوة للانخراط أكثرفي تعزيز القيم وفي تنمية السلوك المدني  وتشجيع الحوار البناء وجعله هدفا في تدبير الخلاف والاختلاف. والواقع أن المدرسة هي الفضاء الأرحب لنشر القيم ولترسيخها ، ولتصحيح المفاهيم ولتوضيح القيم الإسلامية المشتركة مع غيرها من قيم  الأديان السماوية الأخرى التي تدعوإلى التسامح وتنبذ العنف بكل أشكاله، كما تنبذه  كل المبادئ الإنسانية والمثل الديمقراطية الكونية.

مكانة القيم في المناهج التربوية :

يكتسي موضوع القيم أهمية خاصة في علاقته بالمناهج التربوية باعتبار المدرسة حامية للقيم المثلى، وتعززها لدى المتعلمين والمتعلمات معرفة وثقافة وسلوكا عبر البرامج التعليمية والمناهج التربوية الفعالة والقابلة للتطبيق مما يجعل المدرسة جديرة بالود والاحترام والتقدير،فالمنهاج هو الركيزة الأساس التي تبنى عليها أهداف المستقبل،وقد سئل أحد الحكماء عن رأيه في مستقبل أمة من الأمم فأجاب: ضعوا أمامي مناهجها في الدراسة أنبئكم بمستقبلها.

 فما المقصود بالمنهاج؟ .

 ليس المقصود بالمنهاج تلك المقررات الدراسية الموجودة داخل الكتب المدرسية تنفذ في شكل برامج تعليمية تعلمية تلقن داخل حجرات دراسية، وإنما هو جميع الأنشطة والمعارف والمعلومات والسلوكات التي يقوم بها المتعلمون والمتعلمات، وكذا الخبرات التي يكتسبونها بإشراف المؤسسة وتفيدهم في الحياة، فهو نسق مركب من مجموعة من العناصر المتداخلة: أهداف ومضامين ومرامي وغايات ووسائل تعليمية وطرائق تربوية وتقويم وامتحانات…؛ يؤثر كل عنصر في الآخر،وبذلك تكون المناهج أشمل من البرامج،  وعليه، ينبغي أن تكون المناهج واسعة سعة الحياة، تستجيب للمتغيرات وللمستجدات ،فطفل اليوم هو رجل الغد ينبغي أن نعلمه ونربيه حتى نكسبه كما يقول فيكتور هيغو: ( كل طفل تعلمه هو رجل تكسبه) .

 (Chaque enfant qu’on enseigne est un homme qu’on gagne).

وإذا أردنا أن نكسبه فعلا، فيجب أن نعلمه و نغرس فيه القيم النبيلة من خلال مناهج تربوية ناجعة، فما مكانة هذه القيم في هذه المناهج؟.

تقسيم رباعي للقيم تم اعتماده أثناء وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين ويتجلى في: قيم العقيدة الإسلامية، وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية، وقيم المواطنة، وقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية. هذه هي المرتكزات الأربع التي يحيل كل مرتكز منها على الآخر والتي يفترض أن تجعل المتعلم (ة) عنصرا فاعلا داخل المنظومة التربوية.

إن نجاح العملية التربوية يحتاج إلى مناهج مدروسة تقوم على أساس التوفيق بين ثقافة المجتمع ومتطلباته وبين مستجدات العصر، مناهج تراعي ميول المتعلمات والمتعلمين وحاجياتهم وحاجات المجتمع، وتجيب على قضايا العصر وترسخ القيم في الناشئة. والملاحظ أن التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم 2008م أشار إلى ” صعوبات في تحقيق الوظيفة التربوية للمدرسة: محدودية ترسيخ قيم الحقوق والمواطنة واحترام الآخر “.

إن أي إصلاح للمناهج ينبغي أن يأخذ بالحسبان تقوية منظومة القيم التي تكسب المتعلمات والمتعلمين مناعة روحية تقف سدا منيعا أمام أية محاولة لزعزعة عقيدتهم وترويع أمنهم الروحي، يواجهون الحياة بكل ثقة وشجاعة في عالم متغير بالملل والنحل خاصة أمام الضغط الهائل والمتسارع للتطور التكنولوجي الذي لا يرحم، وذلك من خلال تعزيز المواد الحاملة للقيم: التربية الإسلامية، اللغة العربية، الفلسفة، الإنجليزية، الإجتماعيات، الفرنسية، علوم الحياة والأرض. مع الأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الحق والواجب لتكوين المواطن الصالح المتشبع بقيم الحضارة المغربية، تلك الحضارة المتجذرة في أعماق التاريخ، والقادر على الانخراط  في المجتمع، يفهم مجتمعه ويتموضع فيه ويخدمه ويساهم في حل مشاكله وفي تنميته.

إن التعليم هورافعة أساسية للتنميةالاقتصادية والاجتماعية لبلادنا، ولذلك ينبغي أن يحظى باهتمام الجميع لربح الرهان الكبير، رهان مسيرة تنمية البلاد بعيدا عن المزايدات والصراعات السياسوية،وهذا ما أكد عليه جلالة الملك في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب:” لا ينبغي إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، بل يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية،وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجع”. خطاب 20 غشت 2013 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب.

إن ضمان الانخراط الفعلي والجاد لمجموع المتدخلين في المنظومة التربوية بما في ذلك الممارس الميداني ، ضمان لتأهيل هذه المنظومة من أجل تحقيق مدرسة مغربية  ديمقراطية ومواطنة، مدرسة فعالة ومنتجة ومفعمة بالحياة، تجعل المتعلم (ة) في صلب المنظومة التربوية، يستدمج القيم وينتج المعرفة ويدرك العلاقة بينها وبين الفعل،  فيكتسب قدرات ومهارات تؤهله للاندماج في المجتمع وللتموقع في عالم متغيرفي مختلف المجالات التكنولوجية والعلمية من خلال مناهج تربوية ذات جودة عالية لاشك أن التخطيط لها صعب ولكنه ليس بالمستحيل.