حال منظومتنا التعليمية كحال مقولة : أسمع جعجعة ولا أرى طحينا،ذلك نظرا إلى الكم الهائل من الحوارات واللقاءات المتمحورة حول إصلاح ملائم ومتفق عليه من طرف الكل،يضمن ولو نسبيا القفزة النوعية في سلم التنمية والدفع بالبلاد إلى الأمام،غير أن كل هذا ظل حلما بعيد المنال رغم الميزانيات الضخمة وغزارة الحبر على أوراق المشاريع،نتساءل جميعا لما فشلت تلك المحاولات ؟ هل فعلا الأستاذ هو السبب ؟ أم أن العقم أصاب المدرسة المغربية فلم تعد قادرة على إنجاب النوابغ كما كانت من قبل ؟

لا نختلف أن تقدم بلد ما ونهضته تقاس بنجاح المنظومة التعليمية فيه، كونها المزود الرئيسي بالأطر والمهندسين والباحثين و…،مع حضور توافق و انسجام بين الرؤية والأهداف التنموية المعلنة بوضوح،وطبيعة ما يدرّس في مؤسسات التعليم والتكوين،ولا مجال للضبابية والارتجال،حيث ترتبط المناهج التربوية والتكوينية مع فلسفة المجتمع وقضاياه وحتما متطلباته التي تتغير باستمرار،الحديث هنا عن مفهوم الجودة في الشأن التربوي،أي أن كل ما يتعلمه المتعلم في مؤسسته له معنى ويمس كل جوانب شخصيته والسير بها نحو الاتزان والانضباط،في ظل ظروف تعليم وتعلم لا بأس بها من بنية تحتية وتكوين…لكن إن افتقدنا إلى رؤية واضحة عنوانها: ماذا نريد ؟ و أهداف محددة وموحدة أبرزها إعداد مواطن الغد المتزن والمندمج بتلقائية في المجتمع الحديث،سيكون التخبط هو المتحكم الوحيد في تدبير الشأن التربوي،كذلك التنافر المأساوي بين اتجاه سير المجتمع وتقهقر التعلمات المدرسية،فلا فائدة ترجى من ظاهرة النقل التربوي {اعتماد النظريات المستوردة والخبرات الأجنبية}،لأنها لم تُؤسس أصلا لتوافق الخصائص المحلية للبلد وشاكلة المتعلم المحلي،ومن الطبيعي أن تفشل كل التجارب،لأن الجسم التربوي اعتبرها عناصر غريبة عليه فكان مصيرها الرفض والرفض المطلق،مهما توفرت لها من ميزانيات و خرجات إعلامية وغيره،فالأستاذ رفقة المتعلم لا ذنب لهما في شيء،كوْن الأول يشتغل في ظروف معينة،وفق التكوين الذي تلقاه ومعداته الديداكتيكية البسيطة {هذا إن توفرت أصلا}،والثاني يأتي إلى المؤسسة التربوية بغرض التعلم فيكون محظوظا سايرت مضامين التعلم حاجياته و في نفق الهدر المدرسي إن تناقضت معها،وكخطوة أولى للخروج من دوامة الفشل المزمنة هذه، يجب تعميق النظر في بنية المجتمع عامة وتحديد متطلباته بدقة،فهو يتحول باضطراد ولا مصلحة في التخلف عليه،الخطوة الثانية هي بناء مناهج تربوية متدرجة تتوافق مع الخصوصيات المحلية للمتعلم كمرحلة أولى،ثم تستمر في الارتقاء إلى أن تصير منسجمة مع الأهداف والقيم العليا للبلد المتفرعة عن الرؤية المحددة سلفا،هنا نقطع مع عملية الاستيراد من الخارج ونفتح المجال أمام ما هو وطني مائة بالمائة،فأهل الدار أدرى بمجرياتها،مع الانفصال قسرا عن المنهاج التربوي الجامد وتعويضه بالمنهاج المُحَيّن{ ربط التعلمات بكل متغير يطرأ على المجتمع}،الخطوة الثالثة هي تقوية المكتسبات اللغوية لدى المتعلم بداية باللغة العربية، لأنها ستوحد الخطاب التواصلي داخل البلاد ثم لضمان انتمائنا إلى العالم العربي،الخطوة الأخيرة ترتبط أساسا بالموارد البشرية،فغياب التحفيز بمختلف أنواعه والطعن باستمرار في مجهوداتها،لا يخدم لا من قريب ولا من بعيد نجاح المنظومة التربوية والتعليمية بل يعمق المشكلة أكثر فأكثر، وما تتطلبه المسألة فقط هو رد الاعتبار لهذه المهنة الشريفة،عبر تكوينات أساسية ومستمرة من درجة عالية،تصب في مجرى تحسين المردود الدراسي للمتعلم وتيسير اندماجه في المجتمع الحديث.             

إن رهان إعادة الثقة في المدرسة المغربية هو أهم مشروع يتطلب تحقيقه إجراءات حقيقية وملموسة،كي تعود إلى سابق عهدها،فالدولة ومختلف الأطراف ملزمون بتوفير الظروف الملائمة لتعليم جيد يخدم التنمية،ليس تلك المحتويات القديمة التي تجاوزتها الأمم منذ عهد بعيد،وبعد الكشف عن أبرز مكامن الخلل في الجسد التربوي،يبقى فقط التخطيط لبرنامج متكامل تتقاطع فيه المتطلبات والتحديات.فهل سيرى هذا البرنامج النور عما قريب ؟