إن حركة حبة رمل في أعماق صحاري سطح الكوكب، تشكل الميكرو حدث، الذي ينضاف إلى ما لا نهاية من الميكرو أحداث الأخرى، ليتحقق الماكرو حدث، الذي يجعل الكون في تحول مستمر، بحيث يكون كل شيء وبدون اسثناء في تغير سرمدي، والإنسان كحلقة في موجودات هذا الكون، أو ربما مركزه ومبرر لوجوده، لا يشذ عن هذا المبدإ، لكن، وحيث إن الإنسان يزعم أنه الوحيد مالك العقل، وأنه يسمو على غيره به، فإنه يعتقد أن التحول الذي يعرفه الإنسان يختلف عن تحول باقي الكون، ذلك أن الأول يمتاز بكونه يتطور، أي ينتقل من الحسن إلى الأحسن باستمرار، فيما الثاني يعرف تحولا دائريا، أي يرجع باستمرار إلى نقطة الانطلاق ليندفع متطورا إلى أقصاه الذي يماثل تماما نقطة الانطلاق بالنسبة للمركز أو لمستوى عمودي على قطر دائرة التحول، مع صعوبة تحديد ما إذا كان منحنى ذلك تصاعديا؛ مما يسمح باحتمالين اثنين، أولهما أن تحول الكون كله هو في خدمة تطور الإنسان، ويوفر له كل ما يحتاجه لذاك التطور في اتجاه تحقيق غاية مثلى ونبيلة، وثانيهما أن الإنسان هو الذي يجب عليه أن يفهم تحول الكون ثم يحدث فيه تغيرا ليصير في خدمته، فيكون الإنسان هو سبب تحول الكون؛ لكن ما هو واضح أن كلا من التحول والتطور حاصل، وهما مرتبطان ببعضهما بعلاقة تلازم.

والإنسان من حيث ماديته، يعرف نفس تحول باقي الكون، أما من حيث هو فكر، فهو يتطور إلى ما لا نهاية، ونظرا لعلاقته التلازمية مع ماديته، التي لها نفس العلاقة مع باقي الكون، فإنه يستعصي تمثل وجود أحدهما في غياب الآخر.

وعلى هذا الأساس فإن الإنسان الفكر يجد نفسه حيا، يستقل مركبة كونية ضخمة في حد ذاتها، لكنها تضيع صغرا في غبار الكون، ولو أمكن على سبيل الدعابة، تصور الكون ملونا لكان الإنسان في سباحة، لكنها جميلة وممتعة ومغرية بالبقاء، ومفضلة على قطع الرؤوس ابتغاء الجنة. والمركبة تبدو مزودة سلفا بكل الظروف التي تتظافر لتنشئ الحياة وتعمل على استمرارها، وتتسع لكل أشكالها، ومنها الشكل الذي يمثل حياة الإنسان.

والإنسان وهو يحيى، يصعب تمثل حياته هذه خارج الاجتماع الإنساني، وهو إذ يجتمع، يعي هذا الاجتماع، وتنمو لديه الحاجة إلى تدبيره، ثم إلى إيجاد أفضل السبل إلى ذلك، فأبدع الفكر في صناعة أفكار وفلسفات ونظريات وسياسات ومشاريع وشرائع، فكانت إرادته تتشكل تبعا لأفكاره، فصنع لحظات أمن واستقرار، ولحظات بؤس وآلام، وأيقن أنه كان قد جانب الصواب في محطات كثيرة، فانقرض كل ما كان ضعيفا في ذلك، ولم يستطع البقاء إلا ما قوي منها، لتظهر الديمقراطية في فترة صحوة للفكر، وتتربع على عرش كل باق، لأنها من جهة تستضيف الجميع، ومن جهة أخرى تبقى هي الوحيدة التي جعلت الجميع يتسابق ليحظى بشرف الانتماء إليها، ووجد الإنسان ذاته فيها لقدرتها على تحمل كل الاختلافات، وتدبيرها بأقل خسارة ممكنة، وبأقصى سرعة ممكنة، وبجودة عالية أكثر قربا من الصواب.

لكن هذا الاقتناع غير حاصل بنفس المستوى لذى الجميع، وفي حالات كثيرة غير حاصل بالمرة، وربما هذا ما يفسر تعدد بؤر التوتر على سطح الكوكب، نتجت عنه آلام لا تطاق، شكلت خدوشا معيبة في المحيى الجميل  لهذا الكوكب، وثقوبا سوداء في الفكر الإنساني، والإنسان وحده من يتحمل المسؤولية الكاملة فيما هو عليه وضع الاجتماع الإنساني، على اعتبار أنه سيد نفسه، ومهندس طريقه، وهو تماما انعكاس لفكره، وكل فشل محتمل يحدث خللا في المسار الطبيعي لحياة الإنسان. غير أن عدم حصول الاقتناع بحتمية تبني الديمقراطية عند بعض الإنسان هو ناتج عن عدم قيام البعض الآخر المتشبع بالفكر الديمقراطي بدوره في إشاعة فكره من خلال كل أشكال التنظيمات الاجتماعية، ذلك أن المآسي الإنسانية الواقعة هي ليست بفعل الأشرار فقط، ولكنها بسبب تراجع الأخيار عن القيام بدورهم؛ فالاستقرار والأمن اللذان يوفران ظروف نمو القيم النبيلة هما نتيجة الفعل الإنساني الذي هو نفسه نتيجة نشاط بيئة أفكاره.

هنا إذن يمكن التأكد من أن كل المادة تتحرك وتتحول وتتطور وفقا لقوانين محددة، لا مجال معها لأي حديث عن تلك المفاهيم الفارغة التي يستعملها الإنسان بسهولة وبكثرة في حياته، لكنه حقا لا يعرف عما يتكلم، من تلك المفاهيم الصدفة والحظ والعشوائية، إنها مبهمة جدا يستعملها الإنسان فقط لتفسير فشله في إعمال فكره بالاتجاه الصحيح.

ولكم وللعالم السلام.