إن الانجذاب الطبيعي والغريب نحو البقاء إلى أبعد مدى يفرض على الإنسان البحث باستمرار عن التمثلات الأكثر قربا من الصواب في البعد الثالث للزمن (المستقبل)، لذلك غالبا ما يتبادر إلى الذهن التساؤل عن المستقبل في الإنسانية، ويتم هذا  انطلاقا من مدى قابلية الاستفادة من نواتج تفاعل تمثلات الحاضر كآخر مرحلة في بناء صرح الماضي، ويبدو ذلك في واقع الحال هما ثقيلا يصعب الإلمام به بدقة بسبب ضغط قانون الانتخاب الطبيعي، مما يشكل عاملا قويا يصلح لتفسير تفهم الاختيار المحتمل الذي ينتصر  للاكتفاء بالحاضر باعتباره البعد الواعي الوحيد في زمن الإنسان، ينضاف إلى العامل الآخر القوي كذلك، والذي يتمثل في أن الوجود الواعي في الحاضر هو في حد ذاته ولوحده بناء متزامن للماضي وللمستقبل، والإنسان الموجود كأول شرط لوجود الزمن (لا زمن بدون إنسان) هو نقطة أو منطقة تقاطع هذين البعدين المتعارف عليهما فقط (conventionnels)، بالإضافة إلى ما سبق ذكره في هذا الركن بعدم وجود طريق معد سلفا يطلب ترغيبا وترهيبا من الإنسان سلوكه، لكن الطريق الفعلي هو ما يوجد الإنسان بصدد بنائه الواعي؛ إنه اختيار جدير بالاهتمام لما له من عناصر قوية، لكن الواقع يبين بجلاء ضرورة حيوية للتخطيط للمستقبل، على اعتبار أنه سيشمل الزمان والمكان والفكر الذي سترثه الأجيال اللاحقة، ذلك أن الشيء الأهم الذي يجب أن يشترك فيه الإنسان راهنا هو التفكير في قيمة التفكير قي المستقبل.

فما أحوج المجتمع الوطني والكوني الآن بالضبط إلى أن يتربع التفكير في المستقبل على عرش أولوياته في ظل التحولات السريعة التي يعرفها العالم في كل مجالات الفكر، وذلك في أفق تحديد معالم دقيقة لهذا المستقبل تضمن الحدود القصوى من الاطمئنان على هذه الأجيال التي هي النتيجة الطبيعية للميل الغريزي للعمل على استمرار النوع.

هذا التفكير من شأنه أن تنتج عنه إثارة العقل الإنساني لاستشعار مسؤوليته في أن يوجد في حالة صحوة مستمرة لتحقيق رؤية شمولية وواضحة وواقعية للحاضر، تأخذ بعين الاعتبار التفاصيل الدقيقة، من أجل تعميق التفكير الجمعي في أشكال الوجود الإنساني بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وبالتالي تصور علمي للإنسان عن المستقبل، يختلف عن اليوتوبيا وعن الدجل والرجم بالغيب، وينطلق من الإلمام التام بالحاضر والنظر في فرضيات المستقبل، والبحث عن الألغوريتم المحتمل الذي ينتظم وفقه التطور الإنساني، والذي يتماهى بدون شك مع ضرورة الصمود في وجه الضغط الانتخابي للطبيعة الذي يفرض بدوره قابلية وجوب التكيف والتأقلم مع هذه الطبيعة وإلا مواجهة حتمية الانقراض.

المستقبل لم يتحقق بعد، ولا يمكن تسريع وصوله؛ والماضي قد ولى، ولا يمكن إرجاعه؛ فيبقى الحاضر هو البعد الواقعي الوحيد الذي يوجد حقيقة في متناول الإنسان، لذلك فإن أي إمكانية للاهتمام بالمستقبل تقتضي فقط المعالجة العلمية للحاضر مع ضرورة استحضار الماضي، بحيث كلما كبر عمق الرؤية في الماضي كلما زاد امتداد الرؤية إلى المستقبل.

فلا أحد ينكر أن الإنسان يحقق ويشهد تقدما علميا وفكريا لم يسبق له مثيل منذ فجر تاريخ الوجود، وأن هذا التقدم قد يسر الحياة وزاد في أمدها، وتحقق بعض الانتشاء عند الإنسان زاد من تعلقه بالحياة وحرصه على البقاء حتى ولو كان ذلك على حساب الآخر والبيئة، ومن أجل ذلك تشعبت مجالات اهتمام الفكر الإنساني في اتجاه فهم الطبيعة وتطويعها لتحقيق أكبر قدر من الانتشاء، فحدث أن تعددت ميادين الإنتاج المعرفي واكتست صبغة التجزيء والتخصص، ضعف أو انعدم التواصل بينها، وأصبح الإنسان معها سجين مجال اشتغال فكره، وتشعباته في كل من  الماضي والحاضر والمستقبل، حال التعب دون قدرته على بلورة نظرة شمولية، تمكنه من تحسس خطورة المشاكل الكبرى التي تبعث على القلق على زمن الأجيال القادمة، من قبيل غياب التوازن فيما يخص التعامل مع  الثروات الكونية، وهشاشة النظام البيئي، وتفاقم حالات التعصب، وبالتالي التفكير في الحلول المناسبة لها؛ ولعل أقرب طريق وأقوى مجهود إلى ذلك هو التوجه إلى العقل وإليه فقط من أجل بنائه ومده بالوسائل الضرورية لكي يتصرف بالشكل الصحيح أو الأقرب إلى الصواب إذا ما حلت الصعاب.