قد لا يوجد موضوع أكثر تعقيدا وحساسية من موضوع التحالفات السياسة بإقليم جرسيف، نظرا لارتباطها بالأشخاص وليس بالبرامج السياسية أو الفكر أو الايدولوجيا، فهذه السياسة تحتاج الى دقة متناهية في تشخيص الواقع الموضوعي والملموس الذي يتحكم في تحريك هذا وذاك والآخر.

واقع الأشياء يفرض تحالف بعض الاحزاب السياسية كسبيل مهم وناجع لأجل زيادة نفوذها ودعم مواردها، وهو ما تجده أصعب ما يكون بالنسبة للأحزاب على مستوى إقليم جرسيف أو بعض الأقاليم الأخرى التي تحيى فوق نفس التربة السياسية لإقليمنا، وحتى إن نجحت بعض الأطياف السياسية في نسج تحالف ما، فهي لا تقوى على تشكيل تحالف بمواصفات تضمن له النجاح والصمود أمام بعض المتغيرات التي تعرفها الساحة السياسية بإقليمنا “الفتي”، فما هي الاعتبارات السياسية المتحكمة في عملية بناء التحالفات بهذا الاقليم؟ وما هي الأدوات الكفيلة لاكتشاف مختلف المسائل التي ترتبت عند تكوين التحالفات السابقة؟ وما نوع التحالفات التي عرفتها ساحة جرسيف السياسية؟ وهل ترقى إلى تسميتها بتحالفات سياسية؟

فالتحالف بشكل عام يعني اتحاد مؤقت بين مجموعتين او اكثر وخاصة الاحزاب السياسية من اجل الحصول على التأثير او النفوذ، تجمع بينهما نفس الغايات والأهداف، حيث يمكن للمتحالفين بناء قوتهم والحصول على الفائدة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، كالفوز بالانتخابات او تمرير قانون ما او تشكيل تحالف بمجلس من المجالس، وينتهي هذا التحالف مع تحقيق تلك الغايات التي يجب أن تكون واضحة عند تشكيل التحالف، و أن تكون ذا صلة بالمصلحة العامة لعموم المواطنين المنخرطين بشكل أو بآخر في هذا التحالف، ولإنجاح تحالف ما  يجب توفر ثلاث عناصر أساسية متعلقة بالتدبير الجيد للوقت والمال والناس، حسب عدد من المهتمين بالعلوم السياسية.

فالمتتبع للشأن السياسي بإقليم جرسيف قد يسجل أن الاعتبارات المتحكمة في تحالفات أحزابها لا تخضع لمنطق الأشياء في هذا الباب، لأن المتحالفين لا ينتمون لتلك الاطارات السياسية بنسبة تضمن لهم التحدث باسمها، كما أنهم لم يتدرجوا في تنظيماتها، ويكادون لا يعرفون شيئا عن مقرراتها التنظيمية ولا عن قوانينها المنظمة للعمل من داخل تلك الأحزاب التي يتقدمون إلى الانتخابات برموزها، وبالتالي تبقى تحالفاتهم مرهونة بظرفية زمنية تكاد لا تتجاوز ولاية انتخابية أو تمرير حساب مالي أو ما شابه ذلك، فحتى بعض المنتمين لأحزاب لها مرجعيات إيديولوجية، فكثير منهم لا علاقة لهم بهذه المرجعية أو تلك، فكثيرا ما نجد أحد أكبر أباطرة المخدرات يحمل لونا سياسيا ذو مرجعية دينية، قد فاز برآسة مجلس من المجالس وساعده في ذلك تحالفه مع حزب بمرجعية اشتراكية، مما يوضح أن أساس التحالف هنا لا علاقته بما يدرس في الجامعات وما تحدثت عنه النظريات السياسية ولا علاقة له بقانون اللعبة السياسية، وإنما المتحكم الوحيد هي النعرة القبلية في كثير من الأحيان، والمصلحة الشخصية في أخرى.

بعودتنا قليلا إلى تحالفات الاستحقاقات السابقة، يتضح جليا الحضور القوي للمصلحة الذاتية على حساب القبلية أولا ومصلحة المواطنين ثانيا، فتحالف اليسار الاشتراكي الموحد وحزب الاستقلال هو تحالف تحكمت فيه ذوات بعينها بعدما عاشت عداوة كبيرة بسبب تضارب المصالح ولد صراعا دام لعدة سنوات، إلى حدود سنة 2009 حيث أعطت نتائج الاستحقاقات خليط غير متوقع استحال معه تشكيل الأغلبية المريحة من داخل المجلس الحضري، هذا الوضع فرض على “سياسيي” الحزبين التفكير في صيغة تضمن لهما الحفاظ على مصالحهما على طول وعرض الاقليم.

فحاضر الواقع السياسي بإقليم جرسيف قد يعيد نفس “التخريجة ” السياسية، خصوصا بعدما أوشكت ولاية المجلس الحضري الحالي والمجالس القروية على الانتهاء، وخصوصا كذلك بعدما بدأ كل حزب -شخص- يُحضِّر لِما هو قادم بشكل يضمن له الحصول على أعلى رقم في الاستحقاقات المقبلة، إذ كثر الحديث مؤخرا عن تصالح رمزين من رموز الانتخابات بالإقليم، بعد أن دامت العداوة بينهما لسنوات وتطورت هذه العداوة إلى أن بلغت قبيلتيهما، وأصبح كل واحد منهم “دم اسنان” الآخر وضاعت على المدينة والإقليم عدة فرص تنموية بسبب هذا الخلاف المصلحي، وها هُما اليوم يُحضِّران لتحالف من نوع آخر بعد أن تراجعت أسهمُهُما في الساحة الانتخابية بإقليم جرسيف، بسبب فشلهما في إرضاء الساكنة، خصوصا وأنهما يتقاطعان في عدد السنوات التي قضياها على رأس المجلسين اللذين يسيرين شأنيهما.

ففي نظرنا المتواضع إذا، فتحالفات مختلف الفاعلين السياسيين بإقليم جرسيف لا ترقى إلى تسميتها بــ (التحالف) نظرا لغياب الشروط الذاتية والموضوعية في ذلك، ونظرا كذلك إلى ارتباط الاحزاب بأسماء أشخاص بعينهم وبقبائل بذاتها، وهذا ما حاول البعض الآخر تكريسه فيما بعد، إلا أن فطنة شباب طموح إلى فعل سياسي بديل حال دون سيطرتهم ودون رغبتهم الانتخابوية الضيقة التي عبروا عنها من خلال تحركات مشبوهة في اتجاه تحالفات قبلية مشوهة المعالم.

وأمام هذا الوضع أصبح حتميا على ساكنة إقليم جرسيف ونخبه وشبابه، الاستعداد كل من موقعه للوقوف في وجه (التحالفات / التصالحات) التي تقف حاجزا أمام تنمية هذا الاقليم، والتي كانت النماذج السابقة مثل صارخ على ما نقول.