كل موجود جميل. ويتحرك المؤشر على تدريجات سلم قيم الجمال صعودا أو نزولا حسب النجاح في تعقبه واستكشافه ورصد معالمه، فكل ما اتفق على جماله مكسب جمعي يشكل الجوهر، النواة المركزة النقية التي لا شية فيها، أما المختلف حول نسبته فهو في الحقيقة اختلاف في زوايا رؤيته، وتعصب غير مبرر لتلك الزوايا، ومن يؤثرون سلبا على نسبته سينقرضون حتما إن هم فقط اقتنعوا بأن هناك دائماً زاوية أخرى للنظر إلى الشيء نفسه، وأن تغيير زوايا الرؤية منهجية علمية وضرورة اجتماعية وفكرة صائبة لتعقب الحقيقة المحتملة، وبذلك يكون هؤلاء هم السبب في كل تأخر عن التقدم ملحوظ، وحيث إن الشر لا يكون بفعل الأشرار وإنما بتقصير الأخيار، فإن السبب في استمرار تواجدهم هو فشل المسؤولية في تمكينهم من هذا الاقتناع، فيبقى التأثير السلبي ساري المفعول طالما بقي من ليس مقتنعا بأن حكم القيمة لا يكون إلا باعتماد مرجع معياري يأخذ بعين الاعتبار النظر من زوايا أخرى.

إن هناك بذورا لكل قيم الجمال في كل ما ليس جميلا،  كما هناك بذور لما ليس جميلا في كل ما هو جميل. ويكون الانتباه إلى تلك البذور وكيفية التعامل معها هو الفيصل بين النجاح وعدمه في تعقبه.

وفي إيماني الراسخ أن الخدوش المعيبة لجمال محيا الأرض سببه الواحد والوحيد هو فشل المسؤولية هناك في رصد بذور الجمال في ما يعتبر غير جميل من أجل توفير الظروف لنموها، ورصد الأخرى والعمل على تحاشيها. ونسبية القيم تفرض من جهة أخرى ليس فقط الانتباه إلى تلك البذور، بل إعادة قراءة منظومة القيم من أساسها، وهذا لا يتأتى إلا بفضل تغيير زوايا الرؤية، وعندما يتم تغيير زاوية الرؤية يتحقق رصد حالتين اثنتين، وفقط إثنتين: إما رصد الهدف نفسه لكن بشكل مختلف، وإما اكتشاف هدف جديد، وفي كلا الحالتين لا مانع من قبول الفرضية التي أدافع على ترشيحها كحل بلسم نهائي لمسح أسباب حدوث الخدوش وآثارها إلى اللا رجعة ما دامت محط اتفاق على دناءتها،  وتتمثل في التمكين من الاقتناع بعامل القوة كمفسر وحيد للتاريخ، لقيام الحضارات وانهيارها، لطبيعة الحياة في كل تجلياتها.

فالقوة هي المتجهة الموجهة لمسار تطور التاريخ، هذا التاريخ الذي يشهد نفسه أن كل الصراعات كانت تندلع بشرارة اختلال في موازين القوة، فتدور رحى الصراع طويلا، وتنتهي كذلك وفق ما تقتضيه ترتيبات هذه القوة.

أما القيم فهي الخلفية لكل السلوكات الاجتماعية، مؤسساتيا وإديولوجيا، وهي مكون هوياتي يمكن من تحديد الهوية الفردية والجماعية، وهي محرك الدينامية الاجتماعية لبناء فضاءات هوياتية جديدة تتيح إمكانات هائلة للاجتماع الإنساني، وتساهم في تفسير عالٓم الاجتماع والدفاع عن الأنماط المختلفة وتقترح الإجراءات التي تساعد على تطوير أو تغيير البنى الاجتماعية، وتمكن من تعليل التقدم العلمي وتبيان محاذير انحرافه، وتؤسس للتعايش والتفاهم والتسامح، لكنها تؤسس أيضاً للتصادم والعلف.

يستمد الإنسان قواه وقيمه من الفعل الاجتماعي الذي يحتم عليه التوفيق بين ضرورتين متناقضتين، ضرورة التفاعل الاجتماعي وهنا يكون احتمال تجاوزه لحدود الآخر قائما (تهديد الآخر)، وضرورة الدفاع عن قيم الأنا، فيكون هناك تهديد للأنا (auto-menace).
يعم السلم العالم وتغشى الطمأنينة الإنسان كلما تحقق التوازن بين القوة والقيم، ويزيد الحال تحسنا ما استمر التوازن. لكن في حالة اختلال ما، فإن القوة تكون دائماً هي المنتصرة، وتتهدم صروح القيم من أساسها، يصعب معها إيجاد المخرج الآمن.
ولكم وللعالم السلام.