سعيد الزغوطي

لقد بات من الواضح جدا أن الأرقام والمؤشرات التي تعلنها وزارة الصحة في نشراتها المسائية ليست مشجعة ولا تبعث على الارتياح حتى لا نقول “تصيب بالإحباط”، لاسيما أن المغاربة باتوا وكأنهم منشدين إلى سماع أخبار مفرحة عن محاصرة هذا الوباء اللعين، لكن يبدو أنه وقع لهم كمن يشاهد معظم المسلسلات المغربية (حتى لا نسقط في التعميم) حيث غالبا ما تكون البدايات مشوقة إلا أن النهايات غالبا ما لا تكون في مستوى الحدث، وتجعل “المتفرج” يلوم نفسه لكونه قد اقتطع من وقته لمتابعة هذا المنتوج الوطني، ولكونه قد صدق الحكاية من الأساس.

ومع أن الأرقـام في الغالب الأعم لم تتجاوز عتبة المائتين في المعدل اليومي العام، إلا أن تصرفات المغاربة مع زمن الحجر الصحي لم تعمل على “تسطيح المنحنى” باللغة التقنية المستعملة لتطور الوباء، وبالشكل الذي يطمح إليه الجميع. المؤسف وما يزيد الطينة بلة أن المغرب كان ضمن الدول السباقة لاتخاذ هذا القرار، ولقي ذلك استحسانا من طرف العديد من الأوساط المتابعة للشأن المغربي، حتى إن هناك من تحمس أكثر من اللازم لاستعمال عبارة “الاستثناء المغربي”، وقد أضاف إلى هذا الاستثناء هاته الطريقة في التعامل المغربي الاحترازي مع الوباء.

والحالة هاته، ومع تطور وتيرة الوباء، والرسائل المشفرة التي بعث بها السيد رئيس الحكومة في خرجته التواصلية مع الإعلام، وكذا السيد وزير الصحة، والقرارات التي اتخذتها وزارة التربية الوطنية في طريقة تعاملها مع الامتحانات، كل هاته الأمور ربما قد تكون قد أعطت إشارات إلى المواطن المغربي تفيد في ثناياها بأن مدة الحجر مرشحة للمزيد من الإطالة، وبأنه ربما سيكون على المغاربة المزيد من الصبر قبل أن يأتي الفرج.

يقع هذا في ظل الصعوبات الاجتماعية القائمة على الرغم من المجهودات المقدرة التي أقرتها الحكومة، وفي ظل الشلل شبه الكلي الذي تعرفه عجلة الاقتصاد. كما أن الملل والإعياء بدأ يتسرب، ونشاهده في سلوك العديد من المواطنين والسلطات مع إجراءات الحجر؛ وبالنظر أيضا إلى كون بعض الدول المجاورة بدأت في التطبيق التدريجي لسياسة رفع القيود. كل هذا بدأ يؤثر سلبا على نفسية المواطن وعلى المزاج الشعبي العام في غياب أي وضوح في ما يخص المستقبل. عدم الوضوح هذا ربما قد بدأ يؤثر هو الآخر على “وصفة بقا فدارك” لأنها وحسب العديد من المتتبعين وحدها لم تعد كافية وربما قد حان الوقت لتعزيزها بإجراءات مصاحبة يلمسها المواطن حتى تزداد عزيمته في الثقة المعتمدة لـ”سيناريو الحجز”، وإمكانية إسهام هذا الأخير في الحد التدريجي من الوباء.

ربما الطب النفسي قد يسعفنا في إعطاء بعض الوصفات العلاجية أمام بعض العاهات والأمراض النفسية التي يتعذر إيجاد علاجات لها أو مخارج، فالقاعدة الشهيرة تقول إنه ” Si on ne peut pas guérir une maladie psychique on la gère “. أمام ثقل حمل مرض نفسي مستعص على العلاج فإن أفضل وسيلة لمعالجته تكمن في حسن تدبيره والتعايش معه، معرفة مكامن قوة المرض ومعرفة مكامن ضعف الجسد حتى يتسنى اختيار الإستراتيجية المناسبة لإقرار هذا التعايش مع كورونا. وفي انتظار إسهام ارتفاع الحرارة، إن كان لها مفعول في القضاء على هذا الوباء مع حلول فصل الصيف، وفي انتظار توفر المنتظم الدولي على علاج أو لقاح، فربما قد يكون مفيدا التفكير في “إقرار سلوك تعايشي” ورسم ملامح إستراتيجية وقائية تخفف من منطق “سد الباب بالكامل” إلى نهج أسلوب “فتح الأبواب بقدر”، انطلاقا من فهم سلوك الوباء ومكان تواجده.

ربما التقطيع الجغرافي حسب الأقاليم والجماعات، بالإضافة إلى معرفة خريطة توزيع الوباء وبالتفاصيل، مع ما بتنا نسمعه من تطوير لتطبيقات معلوماتية تفيد في تتبع الوباء ومعرفة تواجده، ربما كل هاته الأمور بإمكانها أن تفيد وتلعب في صالح الانتقال من إقرار مقاربة الحجر الصحي على كافة الوطن إلى اعتماد أسلوب “حجر صحي ذكي” يبدأ تطبيقه على مستوى الجهات، وقد ينزل إلى مستوى الجماعات، بتضافر جهود السلطات وبإشراك ممثلي المجتمع المدني الذين قد يكون لهم إسهام كبير في إنجاح أمثال هذه العمليات والمبادرات. يتم العمل بذلك مع الإبقاء على الحد الأدنى من الإجراءات التي تلزم الجميع في ما يخص الحرص على التباعد الاجتماعي، وباستعمال وسائل التعقيم وكذا الكمامات.

يلزم ربما أن نكون رحماء نوعا ما بالعجلة الاقتصادية، وأن نبقي البلاد تتحرك ولو ببطء. من دون شك فإن لذلك استفادة للمقاولة ونوع من تخفيف العبء عن العديد من المواطنات والمواطنين الذين يعلم الله وحده بأحوالهم وقدر معاناتهم، كما أن البلاد محتاجة لدعم مؤشر النمو وتحريكه نسبيا، لاسيما أن الظرفية جد عصيبة مع الجفاف الذي يضرب البلاد، وما نلحظه من قلة تحويلات الجالية المغربية المقيمة بالخارج وكذا النقص المسجل على مستوى عائدات السياحة والاستثمار..كلها معطيات من شبه المؤكد أنها شروط موضوعية ليست في صالح البلد وتشجع على فتح المجال أمام مبادرة من هذا القبيل لإتاحة الإمكانية لانتعاشة ولو طفيفة لاقتصاد البلد.

ما يحز في القلب حقيقة ويزيد من صعوبة إقرار وتطبيق هذه الإجراءات على بساطتها هو غياب “ذاك الوعي عند ذاك المواطن” الذي من المفترض أن “تْحَزمَ” به البلاد في وقت الشدة وفي مواجهة أمثال هذه النوازل. نعود ونكرر دائما القول إن الرأسمال الحقيقي للدولة هو ما سبق لها وأن استثمرته في بناء العقول عن طريق العلم والمعرفة والتحصيل الدراسي والثقافي لمواطنيها وأبنائها، هذا “ما يبقى عند نسيان كل شيء”. إستراتيجية التسلح بالوعي وقدر من التنظيم المحكم قد تكون ضمن وسائل المقاومة الفعالة لمواجهة هذا العدو اللئيم في انتظار الوصول إلى العلاجات واللقاحات الطبية. وصدق من قال “من جد وجد ومن زرع حصد”.