قصدَ التّفصيل في أدوار الإعلام والفنون في التّعريف بقضايا البيئة، أوى الملتقى الثقافي البيئي الثاني إلى الفضاء الرّقمي، عقِب استمرار أزمة جائحة “كورونا”.

وتناول باحثون وإعلاميون وناشطون بيئيون، دور الإعلام والفنون في التوعية بأهمية قضايا البيئة من جوانب متعدّدة، تنطلق من التعريفات الأوّلية المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للإعلام والفنون، وترتيب أولوية القضايا البيئية في غرف الأخبار، ومدى عكس صورة التلفاز الوضعية الفعلية للمرأة وأدوارها الجوهرية، وصولا إلى الحاجة إلى تطويع تمثّلات اللّاشعور الجمعي.

ولم يخلُ اللقاء من إشارات حول الفنّ ومكنوناته وفلسفته، من قبيل ما تحدّثت عنه المسيِّرَة زهرة أبو طه، ناشطة بيئية من الأردن، من إيجادِ الفنّ “لغة حوار مشتركة بين الأمم، وتوحيده قضاياها وآلامها”، وهو ما أطّرَه إدريس القري، باحث في الجماليات، بقوله إنّ الفن يكون كونيّا “عندما يكون نخبويّا في قمّة جماليّته”.

وقالت عفيفة الحسينات، ناقدة فنية ومترجمة وعضو الكرسي الجامعي فاطمة المرنيسي، إنّ صورة المرأة غالبا ما تكون في الإعلام العربي سلبية، ولا تعكس حقيقتها في الواقع؛ فتُظهِرها تابعة للرّجُلِ، وتحتلُّ مناصب مسؤوليات ثانوية، وتهتمّ بقضايا تعتَبر نسبيّا تافهة، وتُظهِرُها أكثر تمسّكا بالتّقاليد من الرّجل الذي يصوَّر أكثر انفتاحا، وأنّها المسؤولة الوحيدة عن تربية الأبناء، وأضعف ذكاء مقارنة بالرّجل.

وتضيف الباحثة أنّ المرأة تستطيع القيام بدور جوهري في التّحسيس بقضايا البيئة والتغيرات المناخية، انطلاقا من أدوارها المجتمعية، رغم صورتها السلبية في الإعلام، واستحضرت في هذا السياق “المرأة القروية الأكثر تأثّرا بالتغيّرات المناخية، لأنها تمسّ الأمنَ الغذائي”، والمرأة في العالَم الحضري التي كذّبَت عالميا الصورة السلبية المُقَدّمَة عنها؛ فـ”تسيّر دولا، وحكومات، ومراكز بحث علميّ، ومستشفيات، وجامعات، وهي في البرلمانات؛ ما يعني أنّها قادرة على الإسهام بقوّة في التوعية بالتغيرات المناخية”، فضلا عمّا تستطيع تقديمه انطلاقا من دورها الجوهري في التّنشئة الاجتماعية كأمّ.

بدورها، تحدّثت فرح عطيات، صحافية مُنِحت لقب سفيرة الأردن في يوم الأرض من شبكة يوم الأرض العالمية، عن أهمية المواضيع البيئية، ومعاناتها، مع صحافيين آخرين، مع المسؤولين الإعلاميين في العالم العربي، لإقناعهم أنّ أهمية هذا الموضوع مثل أهمية المواضيع السياسية والاقتصادية والصحية، باستحضار “دور النزاعات في البيئة، وصحة الإنسان، وتلوث الهواء؛ فهي قصة غير منفصلة عن بقية المواضيع التي تعتبر مهمّة، خاصة السياسية منها”، كما تحدّثت عن “قلّة الإعلاميين المتخصّصين في الشأن البيئي في العالم العربي”.

من جهته، يقول إدريس القري، أستاذ متعاون في وسائل الإعلام والفنون والجماليات البصرية والفلسفية بكلية الآداب بالرباط، إنّ الفن والإعلام رافعتان أساسيتان لبناء وعي الإنسان وإنسانيته، وزاد: “لن يكون للإعلام وللفنّ دورٌ قويٌّ في التوعية بأخطر ما يواجه الإنسان، في موضوع البيئة، إلا إذا كانت آلية التعبير تخاطب القابع في اللاشعور الجمعي، لا اللاشعور الفرديّ فقط، عبر آلية التماهي التي تجعل كلّ من يقف أمام الشاشة يعتقد أنّه يتحكّم، علما أنّه لن يستطيع ذلك إذا لم يكن يدرك هذه الآليات”.

وتطرّق القري إلى موضوع صورة المرأة في الإعلام، مستشهدا بيُسرِ أن نجد المرأة، في الغالب الأعمّ، تُقدَّم في موقع ثانوي، في الأفلام هوليودية، أو الأفلام التي تحبس الأنفاس، أفلام الرعب، في حين يكون البطل، انطلاقا من النماذج الأصلية القابعة في اللاشعور: ذاك القوي، أو مفتول العضلات، والدّاهية، و”الباتريارك”، و”الأخ الأكبر” بمفهوم جورج أورويل.

وينبّه القري إلى أنّ الفن إنتاج مؤسسة هي جزء من مجتمع، الذي غالبا ما يكون مسيّروه نخبة وجزءا من نظام رأسمالي، لا يهتمّون بمصالح غيرهم، ثم استدرك قائلا: “إلا ربما في حدود، عندما تكون الديمقراطية قوية، والإعلام سلطة رابعة”.

ويضيف الباحث: “مركزية مشكل البيئة لا نقاش فيها، وحتى في ظل الحجر الصحي والوباء الذي غيّر وجه العالَم الآن، يستطيع الرأسمال تجاوز كثير من الأزمات، ولا نعلم ما سيحدث، ولكن نعلم أن التغيرات المناخية قد وصلت حدا لا يهدّد طرائق واستراتيجيات التنمية فقط، بل وجود البشرية في حدّ ذاته”.

فيما تشدّد إخلاص نمر، خبيرة إعلامية وناشطة حقوقية وبيئية من السودان، على الدور الكبير لـ”الإعلام والفن”، في “توعية المجتمع بالتغيرات المناخية وآثارها”، وتتطرّق إلى دور الوزارات والجهات المسؤولة في “توفير المعلومة البيئية ليبثّ الإعلام الرسائل التوعوية ويأخذ بيد المواطن”.

وتسترسل الناشطة البيئية موضّحة: “إذا كان يمكن للفنّ أن يؤدّي وظيفته عبر مقطع موسيقي ودراما وشعر، فإن الإعلام يمكنه أن يؤدي دوره هذا كلما سنحت له الفرصة بذلك، ويجب أن يخلق الفرصة حتى عندما لا تتوفّر، قصد توعية المجتمع بقضايا المناخ وحقوقه المناخية؛ لأن الرسالة التوعوية مهمّة في كلّ الأوقات، ونحتاج بثَّها يوميا، لا في مواسم الأيّام العالمية فقط”.