مولود شريفة – يعتقد البعض أن السياسة ماتت وانتهت، وألقت ما فيها وتخلت، وأصيب الإنسان بنوع من الخرف السياسي جعله مخطئا في جل قراراته، فكان ذلك منشئ الآلام كلها؛ وبالموازاة مع ذلك يبدي الكثير من النوسطالجيا إلى أمجاد الماضي، ويرى في (الرجوع) إليه وتطبيق نفس سياساته الحلول المثلى للأوضاع الإنسانية المكلومة في مناطق التوتر في العالم. هذا الاعتقاد هو نفسه الحاصل عند الساسة وأهل الرأي في تلك المناطق، ولذلك هي على ما هي عليه. و في واقع الأمر، الكل من هؤلاء وأولئك يجانب الصواب، لأن هذا الاعتقاد يعكس فقط حالات من دوخات فكرية، ناتجة بدورها عن الانخداع بالحركة الظاهرية للصراعات المأساوية التي تحصل في العالم، دون الأخذ في الاعتبار طبيعة وقوة الأفكار والقناعات التي تؤثث المصانع السياسية القليلة وأسواقها في الكون. إنه محاولة فهم سياسة الحاضر، الجديدة والمتطورة، من خلال الاقتصار على أفهام وتمثلات الماضي، تماما مثل ما يتهم به السلفيون من شدة حرصهم على (الرجوع ) إلى قراءات وأفهام السلف للنص الديني.

السياسة لم تمت، ولم تضعف؛ لكنها مثل قشرة الأرض، والمعاجم، والأفكار، ومثل الإنسان ومثل كل شيء، تتطور باستمرار، تراكم الماضي وتعود إليه فقط وهي ناقدة، من أجل فهم الواقع واستشفاف المستقبل، من خلال صناعة، ثم تبني، ثم فرض سياسة جديدة ومتطورة، تنهل دائما من زبدة الفكر أينما وجد وسلم، تتخلص من كل ضعف تلقائيا ودونما إرادة، ويتفاعل فيها طبيعيا كذلك كل ما جد وقوي، وهي تتماهى تماما مع قانون لافوازيي في في الحفاظ على المادة أثناء التفاعلات الكيميائية، حيث لا شيء يغيب في السياسة ولا شيء يخلق لكن كل شيء في تطور سرمدي مثل ما كان منذ الأزل، يكون فيه المنحى تصاعديا قطعا إلى اللانهاية؛

لذلك فإن القول بموت السياسة هو في الحقيقة تعبير عن العجز في فهم خوارزميات اعتمال كل العناصر وتفاعلها لينتج عنه جيل جديد من السياسة التي تفهم بوضوح كل معطيات الواقع، وتراعي خصوصياته التي أصبحت رهينة لعبة أزرار فقط، فيكون الإنسان أمام سياسة من الجيل (n) عندما يكون الزمن (t)، لكنها دائما تشتمل في ثناياها على كل عناصر السياسات القديمة مذابة جزئيا أو كليا مع الكثير أو القليل من التعديل بما يجعلها تتأقلم وتتكيف مع معطيات الحاضر، وفي نفس الوقت تفرض على هذا الحاضر التأقلم والتكيف نفسيهما. هناك إذن سياسة جديدة ومتطورة تغتمر الكون الآن، ربما يصاب الإنسان بالدوار، أو يحس أنه يجلس بالمقلوب كلما هم بفهمها أو عنونتها، لكنه لا يحتاج إلى كبير عناء لكي يقتنع بأن القوة هي المتجهة الموجهة، الواحدة والوحيدة، للسياسة الكونية الراهنة. فكل من هو آمن قوي، وكل من قوي أمن.

إن الضمير السياسي الجمعي الكوني الراهن قوي جدا، وقادر على بناء محكم لإيقونات وجودية، إنسانية فكرية وسياسة، عاقلة ومتطورة، لكنها جديدة ومثيرة من خلال المزج القسري لكن المتناغم بين أقطاب التناقض، فيظهر على سبيل المثال إسلامي بأناقة الكفر، ورفيق بأناقة الحاج، وجرار بأناقة العروس، وحاسوب يجمع بين الورع والخلاعة، وشيطان حليف، وود بين الحلم والعدم، وغيرها من الكائنات الوجودية والمفاهيمية التي تستعصي على التمثل لدى من تشيع دائما إلى مبدإ الرجوع، فتبدو له من زاويته مسوخا، وتخلق فيه صراعات داخلية قوية، ورجات في الصروح القيمية والمبادئية التي تشكل الأنا السياسية لديه، فلا تقوى على الصمود بفعل هول الصدمات لتنهار من أساسها. وهنا يحتاج الأمر إلى بنائين، أحرار، علماء علميين، من نجباء الكون القلائل، أذكياء، يمتلكون لوحة مفاتيح الكون ويشكلون طليعته، قادرون على الوصول والنزول في كل البقاع فتحا أو غزوا؛ صناعة السياسة لديهم لعب أطفال، وصناعة الحاجة إليها تشبه ذلك، ثم ضمان عدم بوار سوقها هو صلب عملهم، لا عواطف لديهم، بل لهم مصالح فقط، وقد يتعاطفون بقدر ما تتحقق مصالحهم؛ هؤلاء هم مُُلاك القوة الفعليين، القوة في كل أشكالها وجميع تجلياتها، وملاك كل مواردها، وأهل احتكارها؛ هؤلاء قادرون فعلا على إحكام قبضتهم الفولاذية على كل مواطن الضعف والهشاشة في الكون، وهم قادرون على التنفيذ الفعلي لقرارات سياسية مهولة جدا إذا ما استوجبها تحقيق الأهداف الاستراتيجية لديهم، فيظهر أثرها مباشرة على الجغرافية السياسية الكونية، ويسقط كل من وما هو ضعيف، ثم يعاد بناؤه وفق ما تقتضيه ترتيبات رحى القوة. هؤلاء إذن هم من صنعوا تلك الإيقونات السالفة الذكر، والتي يعكس تناقض مظهرها تحولا (mutation) في الجينات السياسية لديها فرضتها شروط مطلب البقاء.

هناك إذن سياسة كونية راهنة قوية وفعالة تغشى كل النوع الإنساني، وتشكل الخلفية (toile du fond) التي تنبني عليها كل السياسات الداخلية والخارجية والجهوية والإقليمية والقارية، وتعمل بالأساس على فتح آفاق رحبة أمام الانخراط الإرادي في نوادي الأقوياء، وفي التكتلات المبنية على أسس قواسم مشتركة متينة، تمنح فرصا هائلة للتعاون من أجل الاشتغال على أرضية موحدة تغيب فيها عناصر الاختلاف، في أفق تحقيق الأمن الكوني؛ ولعل غياب مثل هذه الرؤى هو ما يفسر دخول كل بؤر التوتر في الكون في دوامة العنف المجاني والعشوائي.

ولكم وللعالم السلام.

[email protected]