دار حديث بيني وبين الأهل على خلفية عدم توفقي في تمثيل جمعية مدنية”حداثية” في ملتقى عالمي، رغم انتهاجي أسلوبا حديثا ومتقدما لنيل أحقية هذا التمثيل وذلك على أساس ملف متكامل للترشيح، رافضا بذلك أسلوب القرعة البدائي الجاري به العمل في الغالب لاختيار ممثل الجمعية لمثل هذه التظاهرات.

جدير بالقول أننا لسنا هنا بصدد إجراء قرعة الفوز برحلة إلى وجهة سياحية أو الفوز بجهاز إلكترو-منزلي، ومن أجل ذلك رفضت أيضا منطق التوافق الضيق الذي لن يكون بحال من الأحوال منصفا، فنحن نعرف تكويننا الاجتماعي، ومدى تداخل المصالح الفئوية وتضارب الأهواء، من أبسط الأشكال إلى أكثرها تعقيدا على مستويات أعلى.

قد يبدو ما سأكتبه ذاتيا بعيدا عن الموضوعية، وشخصيا لا يهم إلا كاتب هذا المقال، غير أني أردت من انتهاج هذا الأسلوب أن أتحدث عن أزمة حقيقية يعيشها المجتمع عامة والمدني منه خاصة، انطلاقا من تجربة شخصية  تبينت من خلالها ما عليه الثقافة الديمقراطية عندنا من ضعف وقلة نضج.

رفضت إذن كل ذلك، وواجهت من أجل مبدئي الأصدقاء والزملاء في هذه “المؤسسة المدنية”  فأرضخت الجميع لمنطق التصويت الديمقراطي الذي رجوت أن يكون على أساس تقدير واحترام  البرنامج والمشروع، لكن ضريبة هذا النضال من أجل التمثل الحقيقي للثقافة الديمقراطية والمنهج الصائب لاستحقاق أي امتياز، كانت تصويتا عقابيا ضدي من قبل “الأصدقاء والزملاء المناضلين المدنيين”.

فتم تغليب منطق الديمقراطية الصورية، وتم تحكيم الأهواء ومنطق الحسابات الضيقة والحساسيات العقيمة، فأتت نتيجة التصويت كاملة ضدي.

على خلفية ذلك، وهو ما ترك عندي نوعا من التذمر والامتعاض من ذلك المنطق المجانب للصواب، لامني الأهل على كوني لم أقبل بلعبة القرعة فلربما حالفني الحظ فحضيت بهذه “الدجاجة بكمونها”، غير أنني واجهت هذا اللوم برفضي الكامل الانخراط في تلك الأشكال المنافية لمنطق الاستحقاق الذي أؤمن به.

قد يقول قائل أن ما دفعني إلى كل هذا هو عدم تمكني من نيل هذه الفرصة واستمتاعي ببضعة أيام في دولة سياحية مقيما في فندق مصنف مع تذكرة الطائرة ذهابا وإيابا، في كل الأحوال لا أنكر أن النفس قد تحدثني بشيء من ذلك…

لكن السبب الحقيقي الذي يؤرقني ويشعرني بالأسى والأسف على هذا الوطن، هو أن يسود المنطق الذي يقضي بأن الترشح للمناصب والامتيازات يتم بشكل واسع تبعا للتوافقات المصلحية والحسابات السياسوية والفئوية الضيقة، ومهما بذلت بعض الجهود لتنظيم بعض أشكال الاستحقاق من قبيل المبارايات للكثير من المناصب، إلا أن ثقافة الاستحقاق والترشح بناء على الأهلية وبرنامج العمل والمشروع لازالت هشة جدا، وما يشعر بالأسف في ذات الوقت وبالخطر المحدق وضبابية المستقبل، هو أن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني والتي منحها الدستور صلاحيات مهمة، وشئنا أم أبينا فهي تؤطر ويفترض أنها تخدم قطاعا واسعا في المجتمع، هذه المؤسسات لازالت تقوم في الغالب على الشكلانية في التأسيس وصنع الهياكل، ولازال يغلب عليها في طريقة العمل الاشتغال الفردي والمناسباتي، بدل العمل وفق روح الفريق وتسطير البرامج ووضع المشاريع، والحال أن المجتمع المدني يضم نخبة المجتمع من المثقفين والشباب الواعي بحجم التحديات وبالتالي وجب تكريس الممارسات الديمقراطية بشكل أفضل في هذا المضمار، غير أن الأمر هو غير ذلك، وما مجتمعنا المدني إلا صورة معكوسة لما عليه المجتمع ككل من افتقار لثقافة الديمقراطية، وقلة تشبع بمستلزماتها التي لا تعترف بالمحاباة ولا تؤمن إلا بالاستحقاق وفق البرنامج والمشروع والرؤية الواضحة، لصالح المؤسسة والمجتمع بشكل عام.

إن المجتمع المدني هو مرآة المجتمع ومقياس ما وصل إليه من نضج مدني حقيقي، وتشبع بروح الديمقراطية ومنطق التشاور وعمل الفريق وترسيخ ثقافة الاستحقاق المعقلن، وهو ما ينتج نخبا بقدر التحديات، وقيادات بحجم المشاريع  و الأوراش الكبرى التي يحتاجها الوطن.

و حين نجد بعض نماذج المجتمع المدني الديمقراطي ما تزال تحتكم إلى طرق بدائية في تسيير بعض شؤونها المهمة- مع الاحترام الواجب للكثير من القيادات بالكثير من الجمعيات- فإننا نقلق على مستقبل هذا الوطن ومصير هذا البلد…

فهل ندع مستقبلنا للقرعة؟؟.