أثار المنشور الذي وجهه وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك حول “التجمهر في الطريق العمومي”، نقاشا حقوقيا جديدا حول توقيت إصداره، خاصة وأنه يأتي بعد تسجيل حالات موثقة بالصوت والصورة لتجاوزات ممثلي السلطة في حق متظاهرين، كما حصل في التظاهرة الأخيرة التي نظمت بالرباط للتضامن مع الضحايا المغاربة في “فاجعة منى”.

وفيما ظلت هيآت حقوقية مغربية تندد بمنع وقفاتها في الأماكن العمومية، معتبرة أن تنفيذ تلك الاحتجاجات تتطلب قانونيا، من وجهة نظرها، تقديم “تصريح” لدى السلطات وليس “طلب ترخيص”، إلا أن عددا من النشطاء رأوا في الخطوة التي أقدم عليها وزير العدل والحريات، رسالة واضحة للنيابة العامة حتى “لا تتورط مستقبلا في المتابعات ضد النشطاء الذين يحتجون سلميّاً في أمكان عمومية”.

وكان الرميد قد أصدر، الثلاثاء الماضي، منشورا إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك، يدعو إلى الحرص على تطبيق الظهير الخاص بالتجمعات العمومية، مذكرا بالحالات التي تستوجب التدخل باستعمال القوة، فيما شدد على أن قانون التجمعات العمومية وضع من أبرز شروط هذه الأخيرة، “التصريح المسبق لدى السلطة الإدارية المحلية بالنسبة للاجتماعات العمومية والمظاهرات بالطرق العمومية”، فيما لم يشترط ذلك بالنسبة للتجمهر “الذي لا يمكن أن يتسم بالوصف الجرمي”.

حسن بناجح، عضو الأمانة العامة لجماعة العدل والإحسان، اعتبر أن إصدار “منشور الرميد” قرارا “لا يسمن ولا يغني من جوع؛ أمام واقع الإرادة السياسية في إنهاء الاحتجاجات وصدّ كل أشكال التعبير بالعنف”، مضيفا أن المشكل في المغرب لم يعد قضية قوانين، بل “مدى الرغبة السياسية في احترام القوانين، والنظام الحاكم الذي لا يحترم لا الدستور ولا القوانين التي لنا عليها بعض التحفظات”.

وفيما رأى الناشط الحقوقي ما ذكّر به الرميد “ليس جديدا، بل هو مُسطر في القوانين”، شدد على أن “القضية الجوهرية في هذا المجال تتمثل في دهاليز أجهزة الشرطة، العلنية والسرية، وأجهزة القضاء ومدى استقلاليتها عن تعليمات الهواتف”، معتبرا أن الواقع يثبت، وفق تعبيره، “ضرب القوانين عرض الحائط”.

واستحضر بناجح واقع الاحتجاج في المغرب بقوله: “ما نراه من سلخ وجلد، واعتداء في حق المحتجين السلميين، بات من الميزات المهمة في المغرب”، مردفا أن المظاهرات السلمية التي تنظم في المغرب من كل الهيآت الحقوقية والسياسية والاجتماعية “تقابلها الدولة بالضرب والسلخ”، متسائلا: “كيف نستطيع أن نجمع بين المنشور والسعي اليومي لرئيس الحكومة في كل المنتديات لإثبات أن أهم إنجازاته هي إنهاء الاحتجاجات والإضرابات، مقابل أنه لا يستجيب إلى مطالب المواطنين..هذه قمة التناقض”.

أما محمد الزهاري، رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، فاعتبر أنّ المنشور “رقم 92” سيكون له ما يعده.. “هي دعوة للنيابة العامة بألا توظف سلطاتها لخدمة أجندة الجهاز التنفيذي، خاصة الداخلية، في قمع الاحتجاجات ومصادرة حق التظاهر السلمي”، معتبرا أن الأمر دعوة لسلطات النيابة العامة بالحرص على تنفيذ القانون المنظم للتجمعات بشكل دقيق، “يعفي كثيرين من المتابعات المفبركة التي كانت تتحرك ضد المعارضين”.

وأضاف الزهاري أن الخطوة تتعلق بتجديد تفسير القانون المنظم للتجمعات والمظاهرات في الأماكن العمومية، منبها إلى أن الإجراء كان مطلبا حقوقيا سابقا، “بتقديم التصريح وليس الترخيص”، فيما شدد على أن هذا التفسير “سيكون أكثر جدوى خلال مرحلة الاحتقان ما بين الجمعيات الحقوقية ووزارة الدّاخلية، الموكول لها الإشراف على الأمن العام بالفضاءات العمومية”.

ورغم ذلك، فقد نوه الزهاري بمنشور الوزارة “لأنه موجه للوكلاء العامين ووكلاء الملك.. أي أن هناك رسالة واضحة لسلطات النيابة العامة بعدم التورط مستقبلا في المتابعات ضد المحتجين والنشطاء الذين يحتجون سلميا في أمكان عمومية”، معتبرا أن الخطوة ستمكن من عدم “توظيف القضاء لإسكات الأصوات التي تحتج وتتظاهر ضد السياسات العمومية المتبعة”.