مهدي عامري

يكاد يكون كل شيء عديم القيمة لكن الحب وحده ينتشله من قبضة الموت.

لو عدت إلى الذاكرة ما وجدت إلا صورا مبعثرة تكاد تتلاشى في مجرى الوجود..ملاك يطل من شرفة البيت، أم حنون تعجن الخبز في قصعة من الطين، سمكة ملونة تسبح في “أكواريوم”، أغنية قديمة لعبد الوهاب تداعب الروح، وزوج حمام يملأ هديله البيت. الزمن العتيق في الحي القديم لم تبق منه في الذاكرة، إلا أصوات بعيدة وحنين متصل وقلب يخفق بعنف لا مثيل له على أنغام الذكريات. كل شيء تلاشى في تفاصيل الماضي التي جللها غبار النسيان، الملاك مات في حادثة سير، البيت هجر على عجل، الأب لحق بالملاك بعد أسبوعين بعد أن كان صامدا طيلة حياته كالجبل في وجه القدر، ولم يبق في القلب والروح سواك أيتها الأم.

منذ سنوات طويلة وأنا أسوق التاكسي بين شوارع الرباط وأزقتها وأحيائها الملونة بالحياة والمنغمسة في الشمس وعبير البحر وزحمة الناس ومظاهر الحضارة واللاحضارة وتمفصلات كل شيء وتمددات اللاشيء.

خبرت السعي الى ما قسمه الله لي من رزق في أيام عملي الماراتونية، وخبرت أيضا الهرولة بالتاكسي ومعها صرت عارفا بالوجوه وحاملا في ذاكرتي لآلاف القصص والحكايات.

صرت من كثرة سماعي أحاديث المسافرين معي في التاكسي خبيرا بأحوال المجتمع، وصار المجتمع جزءا من ذاتي وكياني، وأصبحت بلحمي وشحمي ودمي وأفكاري الطائرة في المشاوير هذا المجتمع.

وذات يوم، كنت أشكو من قلة المال في زمن كورونا العطن عديم القيمة العفن المنقوع في الفقر وسياسات الإغلاق وشلل الاقتصاد وخوف الناس من الوباء والخروج من المنازل أكثر من خوفهم من القضاء نفسه..

كنت أشكو من ضيق ذات اليد إضافة إلى خلافات وشجارات لا تنتهي مع زوجتي حول مصاريف البيت وأحدث الطرق لتوفير المال؛ ناهيك عن عدم رضاي عن مجهوداتها في إدارة شؤون البيت وواجباته… وهلم جرا.

وفي غمرة هذا الطوفان من الشقاقات الزوجية والعوز الممزوج بالبؤس؛ بؤس العالم الموبوء الذي تطحننا رحاه.. في غمرة هذا المحيط المصطفقة أمواجه بالرعب والخوف من الموت وسياسات الدول في التحكم بالبشر.. أقول، في غمرة كل هذه التضاربات، ركب معي في التاكسي شاب في مستهل الأربعين يفيض وجهه سرورا ومرحا، وحينما وقع بصره على جبل الضيم الذي يدك روحي وتقاسيم وجهي المتعب، غمز لي بعينه اليمنى ودار بيننا الحوار التالي:

– أرى وجهك مسحوقا في طاحونة الهم والغم. هل أنت حي أم ميت؟ !.

– أنا حي، ولكني ميت في الواقع. إن الوباء يكاد يقتلنا.

– لا تقل هذا الكلام آ با ديالي، يمكن لكل قوة خارجة عن إرادتك أن تسلبك كل ما تملك باستثناء شيء واحد، قابليتك للتكيف مع المواقف. أنت حي ترزق وتتنفس وفي جسمك بقية من الأمل والروح (وهنا زاد وجه الشاب إشراقا واستنار بضوء لطيف كأنه آت من عالم الغيب). أنت تستحق أن تكون في قمة السعادة، لأنك حي ترزق. أرجوك، استمتع بحياتك رغم كل شيء واعتبر كل يوم يجود به الخالق عليك عيدا يستحق أن تتوجه فيه إلى المولى بالشكر والحب والابتهال والتبجيل والاحتفال بالحياة.

– كلامك يسيل من بحر الخيال ولديك حماس يفوق الواقع آ الشريف..

– ها هاهاها…أحترم كلامك، لكن اسمعني جيدا؛ إذا كان هناك درس خرجت به من زمن الوباء الذي لم ينته بعد، والذي يتمدد بتوحش لا نظير له في عالمنا الجريح.. أقول إن كان هناك درس يستخلص من كل هذا، فهو قناعة واحدة وراسخة في وجداني وأعماق روحي: كسرة خبز وكأس شاي يكفيان للإحساس بالسعادة والبقاء على قيد الحياة.

– إني أغبطك على هذه الروح الإيجابية وأتمنى أن أكون مثلك…صراحة، أتمنى أن أكون مثلك.

– لا تكن مثلي، ولكن كن ذاتك، واملأ هذه الذات بالحب والأمل في عالم أفضل. أرجوك، أطرق أبواب الرجاء واليقين..

– اليقين؟؟؟.

– نعم، اليقين في ربك الذي خلق الوباء والدواء، واليقين في قلبك السابحة نبضاته وخلجاته وهمساته في إشراقاته وتجلياته وعظمته التي لا تحد. شوف آ با ديالي، ربنا وخالقنا قادر أن يرفع الوباء والبلاء في أي وقت.

أرجوك، عش بهذا الأمل العظيم. لا تكن حيا ميتا.. أرجوك، عش بهذا الأمل…

الأمل؟.

يا لها من كلمة ساحرة تخرج من الأفواه بعيدا عن كل معنى وقريبا من كل ظلال الأوهام التي صارت تحجب عنا رؤية الخلاص في زمن كورونا المضمخ بالدمار.

الأمل تماما كالموت، تسمع الناس يحكون عنه في كل دقيقة، في كل ثانية، صباح مساء، ولكنك لا تعرفه إلا إذا تلبسك، تماما مثل الموت. وحياتي كانت قبل الوباء الشيطاني الذي ضرب الأرض أفضل حالا، على الأقل في جانبها المالي.

لكن هل المال كل شيء؟ هل هو سر سعادة الإنسان كما تزعم الأغلبية الساحقة في المجتمع؟ هل هو البلسم الشافي لكل جراح في زمن الاستهلاك والمادية الطاحنة المخربة لكل القيم؟.

تضاربت الأفكار في رأسي وأردت أن أجاري الشاب الأربعيني المسافر على متن سيارتي في أمواج أفكاره وطاقة التفاؤل التي تنبعث من خلاياه.. هنا، أدرت رأسي نحوه وأنا أسوق في الوقت ذاته التاكسي منتبها إلى الطريق، وغمزته بعيني اليسرى وقلت له بلهجة ترشح مرحا وسخرية:

– لعلك من صناع الأمل في محيطك وبين أصدقائك، ولكن ما قيمة الأمل في عالم الوباء؟ أكيد أنك مثلي ومثل ملايير الناس عشت السجن المنزلي الذي فرضته السلطات قبل أسابيع قليلة وشاهدت بأم عينيك في التلفزيون والأنترنيت آلافا مؤلفة من ضحايا الوباء يتساقطون بين براثن الموت، مثل ذباب لا قيمة له… إن مسلسل الوباء أطول مما كنا نتوقعه، لعله يستمر سنوات طويلة دون لقاح فعال (كما قالت منظمة الصحة أمس). ما قيمة الأمل إذا في هذا العالم الخربان؟..

تنفس الشاب بعمق، وأغمض عينيه ثلاث ثوان، ثم شملني بنظرة تقطر هدوءا وحنانا، واسترسل:

– أنت سائق تاكسي، وأكيد أن ذاكرتك تعج بآلاف القصص، قصص رفقاء المشاوير، يعني هذا أنك مثل الطبيب النفساني.. عيادة متنقلة يا صاحبي. أنت الأذن السماعة للأفراح والأتراح، للمسرات والآلام.. أنت وعاء قصص السعداء والتعساء والمغلوبين والمنبوذين والمسحوقين في طاحونة الحياة.. آلاف القصص تختزنها ذاكرتك، فهل تريد أن أحكي لك القصة الأولى (ربما) بعد الألف؟.

انتابني الضحك وشرعت أقهقه بصوت عال ارتج له التاكسي المهترئ الذي أسوقه منذ ما يربو عن 11 سنة..

– دمك خفيف آ سي محمد.. هاهاهاها.. أكيد أنه يسرني أن أسمع قصتك..

– الأمل يولد حتما من رحم الضيم وغياهب الظلمات، وعندما تنطفئ أنوار الحياة يبقى الأمل ذلك المصباح الهادية أنواره في طريق اليأس. لا عمل قارا لدي منذ أزيد من 20 سنة. أشتغل مياوما على مدار هذه السنوات الطوال، تارة كبائع متجول، وتارة أخرى تجدني في أوراش الصباغة والبناء. خلاصة القول، لا عمل قارا لدي.. أعيش في حدود يومي، ولم أخطط يوما للغد.. أعيش بالبركة يا عزيزي، بركة المولى وبركة الوالدين..

قبل أن نسجن في البيوت إبان فترة الحجر كنت في مسيس الحاجة إلى مبلغ بسيط لا يتجاوز 500 درهم لشراء بعض الأدوية لأمي المريضة المعوزة، وكنت في حيرة من أمري؛ من أين لي بهذا المبلغ، وأنا منذ أكثر من 10 أيام أعود إلى البيت في نهاية الدوام خاوي الجيب تقريبا؟ 50 أو 60 درهما، لا أقل ولا أكثر، ويمكنك أن تتخيل خيبة أمل زوجتي وأبنائي بهذا المصروف اليومي الذي لا يساوي شيئا في زمننا هذا. معاناة يا أخي، معاناة !.

وفي أعماق جيبي المثقوب سمعت صوتا داخليا مر إلى قلبي وعانق ذبذباته وخلجاته ونداءاته الخفية المغلفة بالأسرار والغموض، وكان صوتي الداخلي يهتف بي (أنصت إلى صوت الكون وأرهف السمع للإشارات. الساعة تشير الآن إلى الواحدة ليلا. لا يهم. الوقت لا قيمة له. خذ صنارتك وسلة الطعم وتوجه رأسا إلى البحر. صحيح أنك لم تصطد منه سمكة واحدة لسنوات بفعل ضيق الوقت، فالعمل في التاكسي طحن صحتك ووقتك، لكن هذه المرة على الأقل، لا بأس في معانقة البحر. توجه إلى البحر وحتى لو لم تظفر بسمكة واحدة، فإن نفسك ستخرج من إسار همومها باستنشاق هوائه وإطالة النظر إلى أمواجه وتشنيف الآذان بأصواته الصادرة عن أعظم لجج الكون.

يا بحري، اذهب إلى البحر..).

وفعلا، وجدتني وحيدا في الليلة التي سبقت ميقات الحجر. كنت وحيدا، وكانت وحدتي أثقل من ظلمة ذاك الليل البهيم المفعمة روحه بالحزن والترقب. غرست يدي في سلة الصيد. أنا غبي! نسيت الطعم ! وكمن يستميت بين لجج الظلمات بحثا عن طوق النجاة، رميت بالصنارة في البحر، ولسان حالي يقول (محال، ولكن جرب حظك أيها الغبي!).

وبعد دقائق قليلة، كانت المفاجأة.. ها هي ذي تغمز. الصنارة تغمز. والصيد ثقيل.. أتمنى أن لا يكون كيس أزبال.. هاهاها..الصنارة تغمز، هيا، جرب ولن تخسر شيئا فأنت فقير سالك في دروب الحياة، أنت وحيد، لكنك في معية البحر.

ومرت 3 دقائق، ورفعت سمكة لم أصطد مثلها في حياتي.. فرخ عظيم الجثة. يا إلهي !

يا منتهى الحب ! أيها المجنون الأزرق ! تفاجئني..ضمني إليك…

ضممت الفرخ إلى صدري وأحكمت يدي عليه ولم يستكن لحظة واحدة، بل انتفض بقوة كأي سمكة تغادر البحر. وفي أقل من دقيقة رميت بالصنارة في البحر. ومرت دقيقتان، ولم أكد أصدق ما حصل ! الصنارة تغمز ! يا للهول ! يا إلهي ! سأجن. سأفقد عقلي! … ورفعت مرة ثانية سمكة أخرى. رباه ! فرخ ثان أكبر من الأول. رباه! أكاد لا أصدق. وبعد سويعات قليلة، وجدتني في المرسى أبيع السمكتين وأفاجأ من جديد بأن وزنهما معا يفوق 27 كيلوغراما!.

وكان ما جنيته من الصيد ثلاثين ألف ريال غمرتني بالسعادة وضخت في شراييني روح الأمل.

أي نعم، روح الأمل..

تحتاجين 500 درهم آ الوالدة؟ لا مشكل في مصروف دوائك.. خذي الثلاثين ألفا!..

ربي كبير آ ميمتي الحبيبة..

أنا جاي !.

* خبير التواصل والتنمية الذاتية

[email protected]