تناولت جل وسائل الإعلام وأقلام المفكرين والمحللين الاقتصاديين قضية توزيع الثروة في المغرب على نطاق واسع ، والسياسيون بدورهم قاموا بتحليل  ما جاء في الخطاب الملكي الأخير، والذي نبه إلى وجود تفاوت  يعتري تقاسم  الخيرات  في المغرب وعدم الاستفادة منها بشكل ناجع ،والتي أثارت استغراب جلالته الذي مافتئ يطلق مشروعا تلو الأخر للتخفيف من آثار الهشاشة والفقر لدى المواطن المغربي منذ اعتلائه العرش، ومع ذلك لا يكاد يظهر لها وقعا قد ينعكس ايجابيا على  مستوى العيش، حتى يتحقق الرخاء والسعادة المنشودين.

هذا وقد شهد اقتصاد  المغرب في العقدين الأخيرين طفرات كبرى، والتي كان من المتوقع إن تنعكس على الحياة اليومية للفقراء بشكل ملموس ، لكن لسان الحال يقول غير ذلك، إذ تزايدت وثيرة الإفقار وذلك باغتناء فئات قليلة  من الناس على حساب هؤلاء الفقراء، وقد وصلوا إلى الثروة عن طريق تقلدهم بعض المناصب التي  بوأتهم مراكز القرار، وقاموا بعد ذلك بالتحكم في خيرات البلاد لصالحهم، بعدما كانت بأيدي المستعمر الفرنسي في السابق.

هذه الثلة التي استغلت جهل الناس وبساطتهم ،هي اليوم تحاول نهب ثروات البلاد  بكل ما أوتيت من قوة؛ منهم من يشتغل لحسابه الخاص، ويستفيد من الريع الاقتصادي، ويخرق القوانين بشكل سافر، ويحصل على الدعم من صناديق الدولة؛ ومنهم من يلجا إلى رفع هامش الربح عن طريق التهرب الضريبي، ومنهم من حول الإدارة العمومية إلى مجال للاغتناء غير المشروع عن طريق الفساد في الصفقات العمومية ، والذي يؤثر سلبا  على  الميزانيات القطاعية التي هي في جزء كبير تهم ميزانية الاستثمار، والتي تصب في خانة توفير الخدمات الأساسية للمواطن البسيط،  وتيسير سبل العيش لدى الفقراء ،وفوق هذا كله يحصل كبار المسئولين على تعويضات وإكراميات باذخة، كجزاء لهم على تحملهم هذه المسؤوليات ، أما الزيادات في الأجور فحدث ولا حرج ،فكل مرة نسمع عن الزيادة في أجور كبار المسئولين بآلاف الدراهم ولا يزداد في المقابل الحد الأدنى  للأجور سوى بدراهم معدودة بعد سنين عجاف وانتظار وحوار، أما الحد الأدنى للأجر الفلاحي فلا زال متدنيا .

والغريب في الأمر انه لما جاءت هذه الحكومة التي عقد عليها فقراء المغرب أمالا كثيرة ، فوجئ الجميع بخطاب أخر مستوحى من القران الكريم (عفا الله عما سلف)  والعفو في هذا البلد هو عما سلف وعما  آت؛ لان العفو بمنطق القران الكريم يقتضي التوبة والإقلاع عن الذنب ، وعدم العودة إلى تكرار الفعل، أما في المغرب فقد ترتكب جرائم الأموال كل يوم ولا حسيب ولا رقيب ، فلم لا نكمل الآية الكريمة ونقول (ومن عاد فسينتقم الله منه ) ؟

أمثلة عديدة لحالات الإفلات من المساءلة ،  ولعل ما أتذكره تلك الفضيحة  التي نشرتها الصحف الوطنية حول استفادة احد الوزراء  من تعويضات مالية من الخزينة العامة للمملكة  بدون موجب شرعي يستدعي ذلك ،والتي اقتيد على إثرها موظف بسيط إلى ردهات المحاكم   بتهمة الوشاية الكاذبة وإفشاء السر المهني بعد إدلائه بالوثيقة التي تؤكد ذلك؛هكذا يتعامل القانون مع كل من حاول فضح تورط الكبار في اختلاس أو نهب المال العام، وكل تحايل على النصوص القانونية لجلب منافع دون استحقاقها، أليس هذا هو موطن الخلل ؟ أليس من العار أن يتابع رئيس دولة كفرنسا أمام المحاكم في قضايا ابسط من هذا؟ ويعفى عن وزير أو مدير في بلادنا؟

أما إذا تعلق الأمر بالارتشاء فحدث ولا حرج ، يقاد بعض الموظفين البسطاء إلى المحكمة بتهمة الارتشاء أو محاولة الارتشاء، ويسكت عن رشاوى بملايين السنتيمات تعطى وتؤخذ، أبطالها هؤلاء ممن يديرون مصالح المواطنين ويسهرون على خدمتهم، واغلبهم أدوا القسم ؛هؤلاء لا نستطيع محاكمتهم أو إدانتهم، بل من المستحيل ضبطهم حتى ولو خولت للمواطن البسيط الصفة القانونية  للتبليغ عن تجاوزاتهم ،ولكن الوسيلة الوحيدة التي تثبت تورطهم هي تلك الأموال والأملاك التي يكدسونها ،وتلك التي في حوزة أبنائهم وزوجاتهم، ظنا منهم أن هذه الحيلة لا زالت تنطوي على المغاربة، وان عليهم أن يخفوا ما كسبوا بهذه الخدعة السينمائية القديمة.

أما أنا وأمثالي من سكان هذا المغرب الحبيب، فقد عشنا طوال الدهر لا نمتلك سكنا ولا نستطيع الظفر به، ولا زلنا نعيش بخير وعلى خير والحمد لله، متحابين ومتضامنين ،يعول بعضنا أفراد العائلة الصغيرة والكبيرة إن وجد شغلا ،ولا يملك في الأخير إلا قيم الصبر والحب والتضحية والإخلاص، ويؤمن بان الدنيا زائلة وان الدار الآخرة هي الحياة .وقد صدق الشاعر الفقير عبد الحميد الديب حينما  يقول:

وفي قسمة الأرزاق عدل وإنما ** هناك سر في السماء وطلسم

فيا رب محروم من الرزق محله **  لكل عباد الله خير وانعم

ففي هذا المغرب الحبيب نتعلم كل شيء بإفقارنا وحرماننا، نتعلم قيم التعايش والتسامح والتآزر ، نتعلم كيف نستغني على بعض ضروريات الحياة اليومية لان رواتبنا لا تكفي لذلك ، نتعلم التداوي بالإعشاب لأننا لا نستطيع الولوج إلى الدواء ، نتعلم العيش في الدور الآيلة للسقوط بل في الدور الخربة ،  نتعلم صيام النافلة طويلا ونعتزل النساء لأننا لا نقدر على النفقة ، ونتعلم ركوب البغال والحمير بدل السيارات لان الطرق لا زالت وعرة ولا نستطيع استعمالها ،فنعيش تحت وطأة الحصار أياما وشهورا من البرد والثلوج،  نسد أبوابنا ولا نستطيع الخروج منها ،  ونتعلم فن السخرية على أحوالنا ،وكل شيء بسبب الإفقار لا بسبب الفقر؛

إذا كانت هذه غايتهم،فانا اعتز بعيشي في هذا الوطن الكريم ، زاهدا في الدنيا صابرا واحتسب، لارتقي بروحي فأصير متصوفا.